متاحف المغرب

متحف ذاكرة الدار البيضاء: فيلا الألماني كارل فيك التي تحولت إلى متحف

متحف ذاكرة الدار البيضاء يعد من أحدث المتاحف التي افتتحت في المغرب، ويشكل نافذة حية على تاريخ المدينة وتراثها الثقافي. فالمتاحف على الصعيد الدولي تعتبر من أهم المؤسسات التي تعكس هوية الأمم، إذ تحفظ تراث الشعوب وتعرض تطور حضاراتها عبر العصور، مما يعزز الوعي الثقافي والإنتماء الوطني.

بدأت فكرة المتاحف العالمية في أوروبا خلال عصر التنوير، حين ظهرت الحاجة إلى جمع وعرض الكنوز الفنية والعلمية للعامة. وكان “المتحف البريطاني” في لندن، الذي أسس عام 1753، من أوائل هذه المتاحف.

ومن أبرز المتاحف العالمية اليوم: متحف اللوفر في باريس، ومتحف المتروبوليتان في نيويورك، ومتحف الإرميتاج في سانت بطرسبرغ، وهي متاحف تجذب ملايين الزوار سنويا وتعد جسورا للتواصل بين الثقافات.

تاريخ المتاحف في المغرب وأشهرها

يعود تاريخ المتاحف في المغرب إلى بدايات القرن العشرين، حين أنشئت أولى المؤسسات لحفظ التراث خلال فترة الحماية الفرنسية، مثل متحف الأوداية في الرباط الذي افتتح سنة 1915.

ومع مرور الزمن، توسعت شبكة المتاحف لتشمل مختلف المدن، بهدف صون الموروث الثقافي المغربي الغني بتنوعه الأمازيغي والعربي والأندلسي والإفريقي.

وقد شهدت السنوات الأخيرة جهودا كبيرة لتحديث المتاحف، من أبرزها إحداث المؤسسة الوطنية للمتاحف سنة 2011، التي أشرفت على إعادة تأهيل متاحف كبرى مثل متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، لتصبح فضاءات حية للتعليم والحوار الثقافي.

ذاكرة الدار البيضاء: قصة فيلا تحمل أسرار الماضي

افتتاح متحف ذاكرة الدار البيضاء: نافذة على تاريخ المدينة

في يوم 27 فبراير 2025، تم افتتاح متحف جديد في مدينة الدار البيضاء، تحديدا في شارع المقاومة، قبالة عمارة الحرية التي يطلق عليها البيضاويون “دساتيام إيتاج”، في إشارة إلى سبعة عشر طابقا تتكون منها العمارة. أطلق على المتحف اسم “متحف ذاكرة الدار البيضاء”، ويضم قطع أثاث تاريخية وصورا ووثائق نادرة. وكان المبنى في الأصل فيلا سكنية بنيت قبل 115 عاما، يجمع تصميمها بين الطابعين الأوروبي والمغربي.

قصة كارل فيك: تراجيديا رجل ألماني غامض

لكن هذه الفيلا أكثر مما تبدو عليه، فهي تخبئ بين جدرانها أسرارا غامضة وقصة تراجيدية لرجل ألماني يدعى كارل فيك، كان رجل أعمال ودبلوماسي وربما حتى جاسوسا.

وفي هذا المقال، سنعود بالزمن لأكثر من قرن، لنتعرف على حكاية هذا الرجل الغامض، الذي انتهت حياته بشكل مؤسف في أحد الأيام الباردة من سنة 1915. ولمن يرغب في الإطلاع على الفيلا بالصوت والصورة، المعروفة اليوم بمتحف ذاكرة الدار البيضاء، ندعوكم لمشاهدة الفيديو المتوفر على قناتنا “حكاوي مغربية”. نشير فقط إلى أن الفيديو مقدم باللهجة المغربية.

بالمناسبة، الدخول إلى متحف ذاكرة الدار البيضاء بالمجان، ما عدا يوم الثلاثاء فقط، الذي يكون مغلقا فيه.

إقرأ أيضا: المدينة القديمة بالدار البيضاء ونادي الوداد: حكاية تاريخية وهوية أسطورية

من بريمن إلى الدار البيضاء: مسار حياة كارل فيك

النشأة والتعليم في ألمانيا

ولد كارل فيك سنة 1862 في مدينة بريمن الألمانية. ومع غياب والده المتكرر بسبب عمله في البحرية، نشأ كارل برفقة والدته وإخوته في منزل رعاية عائلات البحارة الألمان. كان تلميذا نجيبا في دراسته، ثم واصل تعليمه لدراسة التجارة والاقتصاد.

بداية المسيرة في الدار البيضاء

وفي سنة 1877، التحق كارل فيك بأخيه الأكبر هاينريش فيك بمدينة الدار البيضاء، حيث أسس هاينريش شركته التجارية الخاصة. وكانت المدينة آنذاك في بدايات نهضتها التجارية والاقتصادية، ليصبح كارل فيك شريكا لأخيه في الشركة سنة 1886.

من تاجر شاب إلى رجل نفوذ

بعد فترة قصيرة، أصبح كارل فيك أحد أبرز رجال الأعمال في المغرب، ويرحع له الفضل في تأسيس الغرفة التجارية الألمانية بالدار البيضاء. كما كان وسيطا تجاريا موثوقا بين الشركات الأوروبية والسلطات المحلية. وفي سنة 1910، شيد فيلته الفخمة، التي عكست نفوذ كارل فيك الاجتماعي والاقتصادي في المغرب.

متحف ذاكرة الدار البيضاء

الحرب العالمية الأولى وتغير المصير

من رجل نفوذ إلى متهم بالتجسس

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي شهدت صراعا بين فرنسا وألمانيا ودول أخرى، بدأت الأحداث تأخذ منحى مختلفا بالنسبة لكارل فيك. فقد شرعت السلطات الفرنسية في مراقبة رعايا الدول المتحاربة، لا سيما الألمان. واكتشفوا أن كارل فيك كان ينقل معلومات حساسة حول تحركات الجيش الفرنسي في شمال إفريقيا، مستفيدا في ذلك من علاقاته التجارية الواسعة في المغرب، وكذلك في الجزائر وتونس.

المحاكمة و الإعدام

في سنة 1914، ألقي القبض على كارل فيك من قبل القوات الفرنسية، وبعد محاكمة عسكرية قصيرة، وجهت له تهمة التجسس لصالح ألمانيا، إضافة إلى اتهامه بدعم الوطنيين المغاربة الرافضين للوجود الفرنسي في المغرب. ولم تجنبه مكانته الاقتصادية والاجتماعية، ولا علاقاته الوطيدة مع كبار المسؤولين الفرنسيين.

وفي يوم 28 يناير 1915، نفذ حكم الإعدام عليه رميا بالرصاص، ورفض كارل فيك تغطية عينيه أثناء تنفيذ الحكم، وكان يردد قبل إطلاق النار عليه: “أموت من أجل ألمانيا”.

تحولات الفيلا قبل أن تصبح متحفا

بعد إعدام كارل فيك، جردت الفيلا من محتوياتها، وتحولت إلى مركز للاعتقال، ثم إلى ملجأ للأطفال، وبعدها أصبحت مؤسسة تعليمية. وقد طالها الإهمال لاحقا، قبل أن يتم تحويلها إلى متحف في سنة 2025، يرحب بزائريه مجانا طوال أيام الأسبوع عدا يوم الثلاثاء.

ختاما

متحف ذاكرة الدار البيضاء ليس مجرد مكان لحفظ تراث المدينة فقط، بل هو نافذة حية تروي قصصا تاريخية، و تسلط الضوء عن شخصيات و أحداث شكلت ملامح المدينة، و ندعوكم لزيارته لأنها فرصة، لتكتشفوا بأنفسكم أسرار فيلا الثري الألماني كارل فيك، الذي ما زال طيفه يخيم على المكان.

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock