على بعد خطوات من الوجه التاريخي لمدينة مراكش، المدينة المعروفة بأزقتها الضيقة وأسواقها التقليدية، ورياضاتها العريقة وأسوارها التاريخية، يوجد مكان مختلف تماما عن الصورة التي اعتدناها عن المدينة الحمراء، مكان قد يجعلك للحظات تشعر وكأنك في إحدى المدن العالمية الحديثة.
هذا المكان هو شارع إم ـ M Avenue، وهو أحد المشاريع التي قدمت وجها جديدا للمدينة، يجمع بين الفخامة والتجارة والسياحة والثقافة والترفيه في فضاء واحد صمم ليكون أكثر من مجرد شارع تجاري.
فإذا كانت مراكش قد بنت شهرتها العالمية على المدينة القديمة وساحة جامع الفنا والأسواق التقليدية والرياضات والقصور والفنادق الفاخرة، فإن شارع إم يقدم جانبا آخر من المدينة، جانبا أكثر حداثة وانفتاحا على أنماط الحياة العالمية، مع محاولة الحفاظ في الوقت نفسه على الطابع المغربي في العمارة والتصميم والهوية البصرية.
وفي هذا المقال، سنتعرف على قصة شارع إم ـ M Avenue، وفكرة المشروع وتصميمه وأبرز مكوناته، وصولا إلى فندق Pestana CR7 المرتبط بنجم كرة القدم العالمي كريستيانو رونالدو، وكيف أصبح هذا المكان جزءا من المشهد الجديد الذي تتجه إليه المدينة الحمراء.
ولمن يفضل متابعة الموضوع بالصوت والصورة، يمكنه مشاهدة التقرير الذي أعددناه حول شارع إم ـ M Avenue على قناتنا “حكاوي مغربية” على يوتيوب، حيث نقدم جولة مصورة داخل المشروع، مع الإشارة التعليق بالدارجة المغربية، ونرصد من خلالها أبرز تفاصيل المكان ومكوناته كما تبدو على أرض الواقع.
إقرأ أيضا: موروكو مول مراكش.. مشروع عملاق يعزز مكانة المدينة كوجهة عالمية للتسوق والترفيه
فهرس المحتويات
شارع إم مراكش.. مشروع يتجاوز فكرة الشارع التجاري
يمتد شارع إم على مساحة تقارب 5 هكتارات، ويضم نحو 110 آلاف متر مربع من المساحات المبنية، بينما يمتد محوره الرئيسي على طول يقارب 500 متر، ولم تكن الفكرة إنشاء مركز تجاري تقليدي، وإنما تطوير وجهة متكاملة، تجمع في المكان نفسه بين السكن والفنادق والتجارة والمطاعم والثقافة والترفيه والخدمات.
ولهذا السبب، يختلف شارع إم عن العديد من المراكز التجارية المغلقة، فالتجربة هنا تقوم أساسا على التجول في فضاء مفتوح، تحيط به المباني والمتاجر والمطاعم والمساحات الخضراء، مع حضور واضح للعناصر المعمارية والمائية والنباتية.
وتضم الوجهة مجموعة واسعة من العلامات التجارية والمطاعم والخدمات، إلى جانب مكونات أخرى مثل إقامات فورسيزونز ـ Four Seasons الفاخرة، وفندق بيستانا CR7 ـ Pestana CR7، وإم تيك ـ M Tech، وإم كلينيك ـ M Clinic، وإم آرت ستوديو ـ M Art Studio، إضافة إلى المركز الثقافي ميدين ـ Meydene.
وبذلك أصبح شارع إم وجهة تجمع بين أكثر من نشاط، بدلا من أن يكون مجرد منطقة مخصصة للتسوق.
من صاحب فكرة شارع إم؟
تقف وراء هذا المشروع شركة داون تاون هوتيل كوربوريشن ـ Downtown Hotel Corporation، المعروفة اختصارا بـ DHC، وهي مجموعة مغربية أسسها رجل الأعمال نبيل سليطين، واشتغلت في مجال التطوير العقاري والفندقي، خصوصا في مدينة مراكش.
ولم تكن فكرة شارع إم مجرد مشروع تجاري جديد، بل جاءت من رغبة في إنشاء وجهة مختلفة داخل المدينة. فبدلا من تخصيص قطعة الأرض لبناء المزيد من الفيلات والرياضات، اتجهت الفكرة نحو تطوير فضاء حضري جديد يجمع بين عدة وظائف في مكان واحد.
وهكذا بدأت تتشكل فكرة إنشاء وجهة تجمع بين الإقامة والتجارة والمكاتب والفنادق والثقافة والمطاعم والترفيه، بحيث لا يكون المكان مرتبطا بالسياحة وحدها، وإنما يستقطب أيضا سكان مراكش والمغاربة القادمين من مختلف المدن، إلى جانب السياح الأجانب.
هندسة معمارية تجمع بين الحداثة واللمسة المغربية
من أكثر العناصر التي تلفت الانتباه أثناء التجول في شارع إم هي الهندسة المعمارية، فالمشروع لا يقدم عمارة حديثة منفصلة تماما عن البيئة المراكشية، بل يحاول المزج بين التصميم الحديث وبعض عناصر العمارة المغربية، وهو ما يظهر في الواجهات والتفاصيل الهندسية والألوان والمساحات المفتوحة.
وقد تولى تصميم المشروع المعماري الفرنسي ديدييه لوفور ـ Didier Lefort، بالتعاون مع المهندس المعماري المغربي خالد القاسمي، إلى جانب مصممي الديكور الداخلي الإيطاليين إكليتيكو آند سبانيولو ـ Eccletico & Spagnulo، والمهندس الفرنسي المتخصص في تصميم المناظر الطبيعية باتريس مارشال ـ Patrice Marchal.
الماء والخضرة في قلب التصميم
واعتمد التصميم المعماري لشارع إم على دمج النباتات والمياه والمساحات المفتوحة ضمن مسار التجول، وهو ما يمنح المكان أجواء أكثر راحة، خصوصا في مدينة مثل مراكش التي تعرف درجات حرارة مرتفعة خلال أشهر الصيف، كما تجعل هذه العناصر تجربة المشي أكثر هدوءا، وتمنح الزائر فرصة للاستمتاع بالمكان بعيدا عن أجواء المراكز التجارية المغلقة.
وهنا يظهر أحد الفوارق المهمة بين شارع إم والمركز التجاري التقليدي، فالزائر لا ينتقل من متجر إلى آخر داخل مبنى مغلق، وإنما يعيش تجربة قائمة على المشي واكتشاف الواجهات والجلوس في المقاهي والمطاعم والاستمتاع بالمساحات المفتوحة.

مشروع كبير استغرق سنوات من التطوير
بدأت فكرة المشروع قبل سنوات، وكانت التقديرات الأولى للاستثمار تتراوح بين 680 و760 مليون درهم، قبل أن تتطور مكونات المشروع وترتفع قيمة الاستثمار الإجمالية إلى حوالي مليار درهم.
أما أشغال البناء، فقد انطلقت فعليا في وقت لاحق، واستمر تطوير المشروع على عدة مراحل، إلى أن بدأ استقبال الزوار تدريجيا في سنة 2021.
وشاركت شركة تي جي سي سي ـ TGCC في إنجاز الأشغال، وهي واحدة من أبرز شركات البناء والأشغال العمومية في المغرب.
ووفقا للمعطيات المنشورة حول المشروع، تبلغ المساحة المبنية حوالي 110 آلاف متر مربع، ويضم المشروع عشرات الوحدات السكنية الفاخرة والمساحات التجارية، إضافة إلى مجموعة من المرافق الأخرى.
ويؤكد حجم هذه المكونات أن شارع إم لم يكن مجرد وجهة تجارية، وإنما مشروع متكامل يجمع بين السكن والتجارة والضيافة والترفيه، وهو ما تطلب سنوات من التخطيط والتنفيذ حتى وصل إلى شكله الحالي.
ماذا ستجد داخل شارع إم مراكش؟
أثناء التجول في شارع إم، يلاحظ الزائر تنوعا كبيرا في مكونات المكان، فالمتاجر تجمع بين العلامات التجارية الدولية وبعض الأسماء المغربية، بينما تقدم المطاعم والمقاهي خيارات متنوعة، إلى جانب الفنادق والإقامات الفاخرة والمساحات المخصصة للأنشطة الثقافية والترفيهية.
وهذا التنوع لم يأت صدفة، بل يمثل جزءا أساسيا من الفكرة التي قام عليها المشروع، والمتمثلة في إنشاء وجهة يمكن زيارتها في أوقات مختلفة من اليوم، سواء من أجل التسوق، أو تناول الطعام، أو الاسترخاء، أو حضور نشاط ثقافي، أو حتى الإقامة.
إقرأ أيضا: لماذا المغرب يبني القطب المالي كازا أنفا؟ مستقبل الاقتصاد والمال المغربي
التسوق والعلامات التجارية
تضم الوجهة عشرات المحلات التجارية، لكن ما يميز المكان هو محاولة الجمع بين العلامات العالمية والحضور المغربي، بحيث لا تبدو الوجهة وكأنها نسخة من شارع تجاري أوروبي أو مركز تسوق عالمي، وإنما تحتفظ ببعض الخصوصية المرتبطة بالمدينة وهويتها.
وبحسب المعطيات المنشورة من إدارة الوجهة، يضم شارع إم قرابة 100 علامة تجارية، من بينها عشرات المتاجر، إلى جانب مجموعة واسعة من المطاعم والخدمات.
وهذا التنوع يجعل المكان وجهة مناسبة للباحثين عن تجربة تسوق راقية، خصوصا بالنسبة للزوار الذين يفضلون العلامات العالمية والفضاءات الحديثة.
المطاعم والمقاهي
المطاعم والمقاهي تشكل بدورها جزءا مهما من تجربة شارع إم، فالزائر لا يأتي بالضرورة من أجل شراء شيء ما، ويمكن ببساطة أن يقصد المكان لقضاء بعض الوقت، أو الجلوس في أحد المقاهي، أو تجربة أحد المطاعم التي تقدم مطابخ مختلفة.
وهنا نجد مرة أخرى ذلك المزج بين المحلي والعالمي، إذ تحضر المأكولات المغربية إلى جانب مطابخ دولية، في أجواء أكثر هدوءا وفخامة من تلك التي نجدها عادة في الأسواق والمناطق التجارية التقليدية.
أما بخصوص الأسعار، فهي في المجمل تعكس طبيعة المكان والعلامات والمطاعم الموجودة فيه، ولذلك قد يجدها البعض مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى في مراكش.
لكن زيارة شارع إم لا تعني بالضرورة التسوق أو ما شابه ذلك، فمجرد التجول في فضاءاته المفتوحة واكتشاف تصميمه والاستمتاع بأجوائه يمكن أن يكون في حد ذاته تجربة مختلفة.
الجانب الثقافي.. عندما تلتقي الحداثة بالتراث
من الأمور التي تميز شارع إم عن مجرد كونه منطقة للتسوق، الحضور الثقافي الذي يظهر من خلال عدد من المكونات، ومن أبرزها ميدين ـ Meydene، وهو فضاء ثقافي يقدم تجارب ومعارض وعروضا فنية، إلى جانب مساحات مخصصة للفعاليات والأنشطة المرتبطة بالثقافة المغربية.
كما يضم المشروع إم آرت ستوديو ـ M Art Studio، وإم تيك ـ M Tech، وإم كلينيك ـ M Clinic، وهي مكونات تعكس طبيعة المشروع المتعددة، والتي لا تقتصر على التجارة والفنادق، وإنما تشمل أيضا الثقافة والخدمات والأنشطة المختلفة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في مدينة مثل مراكش، حيث لا تقتصر جاذبية المدينة على الفنادق والمرافق الحديثة، وإنما ترتبط بشكل كبير بثقافتها وفنونها وتراثها، لذلك فإن حضور هذه المكونات داخل شارع إم يضيف بعدا آخر للمشروع، ويجعله أكثر ارتباطا بالمدينة التي يحتضنه.
فندق Pestana CR7.. أشهر مكونات شارع إم
ومن بين أكثر مكونات شارع إم إثارة للاهتمام، يأتي فندق بيستانا CR7 مراكش ـ Pestana CR7 Marrakech، الذي يحمل اسم نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو.
والفندق هو ثمرة شراكة بين مجموعة بيستانا ـ Pestana البرتغالية وكريستيانو رونالدو، وقد فتح أبوابه أمام أول ضيوفه سنة 2022، ليصبح أحد أبرز المكونات الفندقية داخل مشروع شارع إم.
ويضم الفندق 174 غرفة، إلى جانب مطاعم ومسبح ومركز للياقة البدنية ومنتجع صحي ومركز للأعمال، كما يتميز بسطح يوفر إطلالات على شارع إم وعلى جبال الأطلس.
كيف ساهم كريستيانو رونالدو في شهرة المشروع؟
وجود اسم عالمي مثل كريستيانو رونالدو داخل مشروع في مراكش أعطى شارع إم بعدا إعلاميا وسياحيا إضافيا، فالنجم البرتغالي معروف بعلاقته بمدينة مراكش وبزياراته المتكررة إليها، وبالتالي فإن ارتباط اسمه بفندق يحمل علامة CR7 داخل واحدة من أبرز الوجهات الحديثة في المدينة ساهم في تعزيز شهرة المشروع خارج المغرب.
لكن من المهم الإشارة إلى أن الفندق ليس مملوكا لكريستيانو رونالدو كما قد يوحي بذلك الاسم، بل هو جزء من علامة بيستانا CR7 لايف ستايل هوتيلز ـ Pestana CR7 Lifestyle Hotels، الناتجة عن الشراكة بين مجموعة بيستانا ـ Pestana والنجم البرتغالي.
ويضم الفندق أيضا مطاعم وفضاءات للترفيه والرياضة، ما يجعله جزءا أساسيا من تجربة شارع إم، وليس مجرد فندق منفصل عن المشروع.
موقع شارع إم مراكش.. بين المدينة الحديثة والمعالم التاريخية
من أهم نقاط قوة شارع إم موقعه، فالمشروع يقع في منطقة حديثة وراقية من مراكش، بالقرب من محور شارع محمد السادس، وعلى مقربة من عدد من أهم المرافق السياحية والفندقية في المدينة.
كما يقع على المسار الرابط بين منطقة قصر المؤتمرات وحدائق المنارة، بمحاذاة فندق فورسيزونز ـ Four Seasons، وهو ما يجعله جزءا من منطقة سياحية وفندقية نشطة.
والوصول إليه من مطار مراكش المنارة يستغرق وقتا قصيرا بالسيارة، كما توجد محطة قطار مراكش على مسافة قريبة نسبيا.
وفي المقابل، لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل للوصول إلى المدينة القديمة وساحة جامع الفنا وعدد من أشهر المعالم التاريخية.
وهذا الموقع يمنح شارع إم ميزة إضافية، فهو قريب من المناطق الحديثة والفنادق الفاخرة، وفي الوقت نفسه ليس بعيدا عن مراكش التاريخية التي يقصدها السياح من مختلف أنحاء العالم.
هل يستحق شارع إم مراكش الزيارة؟
بالنسبة للزائر الذي يبحث عن الأسواق الشعبية والأسعار المنخفضة، فإن شارع إم ليس بالضرورة المكان المناسب للتسوق اليومي، خصوصا أن طبيعة المشروع والعلامات الموجودة فيه تجعله موجها بدرجة كبيرة إلى الفئات الباحثة عن المنتجات والخدمات الراقية.
لكن زيارة شارع إم لا تتطلب بالضرورة التسوق، إذ يمكن للزائر ببساطة التجول في المكان، والاستمتاع بالهندسة المعمارية والمساحات المفتوحة، أو الجلوس في أحد المقاهي والمطاعم، أو اكتشاف بعض المكونات الثقافية والترفيهية للمشروع، وهذا بالضبط ما يجعل التجربة مختلفة، فحتى إذا لم تكن لديك نية للشراء، فإن جولة قصيرة في شارع إم يمكن أن تمنحك صورة أخرى عن مراكش، صورة تختلف عن تلك التي نعرفها من الأسواق التقليدية والمدينة القديمة.
شارع إم.. مراكش التي تتجه نحو المستقبل
ربما يكون أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة شارع إم، هو أن مراكش لم تعد تعتمد على ماضيها وحده لجذب الزوار، صحيح أن المدينة القديمة وساحة جامع الفنا والأسواق والرياضات والقصور والمتاحف ستظل دائما في قلب هوية المدينة وجاذبيتها العالمية، لكن مراكش الحديثة بدأت في الوقت نفسه تقدم مشاريع جديدة تخاطب أنماط الحياة المعاصرة، ويعد شارع إم أحد الأمثلة الواضحة على هذا التحول.
فالمشروع يحاول الجمع بين التجارة والسياحة والسكن والثقافة والترفيه في فضاء واحد، مع الاستفادة من العمارة الحديثة دون التخلي عن بعض العناصر المستوحاة من الهوية المغربية، والأجمل في مراكش أن هذه التجارب يمكن أن تجتمع في مدينة واحدة، ففي وقت قصير يمكن للزائر أن ينتقل من أجواء المدينة القديمة وأسواقها وأزقتها التاريخية إلى فضاء حديث وفاخر مثل شارع إم.
وهذا التنوع هو أحد أهم عناصر جاذبية المدينة الحمراء، مدينة تستطيع أن تحافظ على ذاكرتها وتاريخها، وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها أمام مشاريع وأفكار جديدة تتطلع إلى المستقبل.
وفي النهاية، فإن شارع إم ليس مجرد شارع يضم المتاجر والمطاعم والفنادق، بل هو تجربة عمرانية وسياحية تعكس جانبا من التحول الذي تعرفه مراكش، وتقدم وجها آخر للمدينة، أكثر حداثة وانفتاحا، دون أن ينفصل عن هويتها وتاريخها.