قبل عقود طويلة من ظهور الهواتف والإنترنت، كانت الأزقة والدروب المغربية تمتلئ بأصوات الأطفال وهم يرددون أهازيج وأغاني شعبية توارثوها عن آبائهم وأجدادهم. ولم تكن تلك الكلمات مجرد وسيلة للتسلية وتمضية الوقت، بل كانت تحمل في طياتها حكايات وأساطير نسجها الخيال الشعبي، وظلت راسخة في الذاكرة الجماعية للمغاربة إلى يومنا هذا.
ومن بين أشهر هذه الأهازيج التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الكثيرين، تلك الأهزوجة المعروفة التي تقول:
“آجرادة مالحة.. فين كنتي سارحة.. في جنان الصالحة.. آش كليتي آش شربتي.. غير تفاح و نفاح.. و الحكمة بإيديك.. يا القاضي يا بومفتاح.”
ورغم أن هذه الكلمات يرددها الأطفال منذ أجيال، فإن الكثيرين لا يعرفون القصة التي يقال إنها كانت وراء ظهورها، حكاية قديمة تمزج بين الخير والشر، تحكي عن امرأة طيبة وساحرة حاقدة وقاض اشتهر بحكمته وعدله.
وفي مقالنا هذا، سنكتشف معا الرواية التي أخرجت أهزوجة “آجرادة مالحة” إلى الوجود. وإن رغبت عزيزي القارئ في متابعة هذه الحكاية بالصوت والصورة، فيمكنك مشاهدة الفيديو المرفوع على قناة حكاوي مغربية باللهجة المغربية.
فهرس المحتويات
إقرأ أيضا: خربوشة والقايد عيسى بن عمر: القصة الكاملة بين الحقيقة والأسطورة
الأهازيج الشعبية في الذاكرة المغربية
لطالما شكلت الأهازيج الشعبية جزءا من التراث الشفهي المغربي، إذ تناقلها الناس جيلا بعد جيل دون أن تُدوَّن في الكتب أو تُحفظ في السجلات. وكانت هذه الأغاني القصيرة تُردد في الأزقة والحقول والبيوت، وتحمل في طياتها قصصا عن الخير و الشر، والحب والكراهية، والحكمة والمكر، لتظل شاهدة على غنى الموروث الشعبي المغربي وتنوع حكاياته.
وتُعد أهزوجة “آجرادة مالحة” واحدة من أشهر تلك الأهازيج، إذ يعرفها الصغار والكبار على حد سواء، غير أن الروايات المرتبطة بها تختلف من منطقة إلى أخرى، بينما تبقى القصة الأشهر هي تلك التي تدور أحداثها حول “الصالحة” و”عقيسة”.
الصالحة وبداية العداء مع عقيسة
تقول الرواية الشعبية إنه في زمن بعيد، كانت هناك قبيلة تعيش في قرية نائية تحيط بها الحقول والبساتين. وكان من بين سكانها امرأة طيبة القلب تُدعى الصالحة، اشتهرت بين الناس بأخلاقها الحسنة وكرمها الشديد.
كانت الصالحة تمتلك بستانا واسعا يضم أشجار التفاح والرمان والعنب، ولم تكن تبخل بخيراته على الفقراء واليتامى والمحتاجين، لذلك أحبها أهل القبيلة وصار اسمها مرتبطا بالخير والعطاء.
وفي الجهة الأخرى من القرية كانت تعيش امرأة عجوز تُدعى عقيسة، اشتهرت بممارستها للسحر والشعوذة، وكان الناس يتجنبون الاقتراب منها خوفا من شرها. ولم تكن عقيسة تنظر بعين الرضا إلى المكانة التي تحظى بها الصالحة بين أهل القبيلة، بل كانت تغار منها وتحسدها.
وازداد حقدها أكثر بعدما رزقت الصالحة بتوأم جميلين، بينما ظلت عقيسة، بحسب الرواية دون أبناء، فامتلأ قلبها بالحسد والغيرة.
محاولات السحر والانتقام
قررت عقيسة أن تُلحق الأذى بالصالحة وببستانها، فأعدت الكثير من الطلاسم والوصفات السحرية، لكنها لم تنجح في تحقيق ما كانت تريده.
وحين فشلت محاولاتها، استعانت بأخطر الشياطين والمردة، وأمرتهم بأن يحرقوا بستان الصالحة ويدمروا بيتها، لكنهم عادوا خائبين وأخبروها بأن قوة خفية تحمي المكان، وأنهم عاجزون عن تنفيذ أوامرها.
زاد ذلك من غضب الساحرة، وبدأت تبحث عن وسيلة أخرى للانتقام. وبعد تفكير طويل، أدركت أن أكثر ما يمكن أن يؤلم الصالحة هو إصابة طفليها بمكروه.
اختفاء الطفلين
في إحدى الليالي، وبينما كان الجميع نائمين، تسللت عقيسة إلى بيت الصالحة واختطفت الطفلين التوأم، ثم غادرت القرية تحت جنح الظلام.
وعندما استيقظت الصالحة في الصباح ولم تجد طفليها بجانبها، أصيبت بصدمة كبيرة، ولم تحتج إلى كثير من التفكير حتى تدرك أن الساحرة عقيسة هي المسؤولة عما حدث.
أسرعت إلى إخبار سكان القبيلة، فتجمع الرجال والنساء وتوجهوا إلى منزل الساحرة، لكنهم وجدوه خاليا بعدما فرت ومعها الطفلان.
وبعد أيام طويلة من البحث دون جدوى، رفعت الصالحة يديها إلى السماء متضرعة أن يعيد الله إليها طفليها، وأن يقتص ممن ظلمها.
من قرية إلى أخرى
بعد هروبها، قطعت عقيسة مسافات طويلة حتى وصلت إلى قرية صغيرة تقع قرب نهر، كان أغلب سكانها يعملون في صيد الأسماك.
وفي الأيام الأولى من وصولها، لاحظ الصيادون أن الأسماك أصبحت أقل من المعتاد، وحتى عندما يصطادونه كان يفسد بسرعة ولا يصلح للأكل أو التمليح. فبدأ أهل القرية يربطون بين هذه الأحداث وبين وجود المرأة الغريبة بينهم.
اجتمع كبار القرية وقرروا طرد عقيسة، ومنحوها بعض المؤونة لتتابع طريقها. وتكرر الأمر نفسه في قرى أخرى، إذ لم تكن الساحرة تمكث في أي مكان أكثر من ثلاثة أيام قبل أن تُطرد بسبب ما يحل بالناس من مصائب ومشكلات، كأن لعنة حلت عليهم.
القاضي بومفتاح يبحث عن الحقيقة
وبعد رحلة طويلة، وصلت عقيسة إلى قبيلة كان يحكمها قاضٍ مشهور بالعدل والحكمة، يُعرف باسم القاضي بومفتاح، كان القاضي معروفا بقدرته على الفصل بين الناس وكشف الحقائق، حتى إنه كان يحيط نفسه بأشخاص يساعدونه في فهم الأمور الغامضة.
وكما حدث في القرى السابقة، بدأت الخلافات والخصومات تزداد بين سكان القرية بعد وصول عقيسة بأيام قليلة، الأمر الذي أثار انتباه القاضي، وأخبره أحد مستشاريه أن امرأة غريبة جاءت إلى القرية برفقة طفلين لا يشبهانها، وأن وجودها قد يكون وراء ما يحدث.
إقرأ أيضا: لغز ضريحي سيدي بوزيد بين آسفي والجديدة: هل يتعلق الأمر بشخص واحد أم شخصين مختلفين؟
الزرزور يكشف السر
أمر القاضي بإحضار عقيسة مع الطفلين، وسألها عن قصتها وعن سبب مجيئها إلى القرية. فأجابته بأنها كانت تعيش في مكان بعيد أصابه الجفاف، وأن الطفلين ابناها، لكن القاضي لم يقتنع بكلامها، فقد لاحظ أن ملامح الطفلين لا تشبهانها، كما أن تصرفاتها زادت من شكوكه.
وتروي الحكاية أن القاضي بومفتاح كان يستعين بطائر يُدعى الزرزور لمعرفة الحقيقة في القضايا المعقدة. فأرسله للتحري عن المرأة الغريبة.
وبعد وقت قصير، عاد الزرزور ليخبر القاضي بأن العجوز ليست أم الطفلين، بل ساحرة خطفتهما من والدتهما، وأنها كانت السبب في المصائب التي حلت بالقرى التي مرت بها.
عقيسة تتحول إلى جرادة
بعد أن تأكد القاضي من حقيقة الأمر، أمر بإحضار عقيسة مرة أخرى، وواجهها بما عرفه عنها. وعندما لم تجد مهربا، أُدينت بما ارتكبته.
وحسب الرواية الشعبية، أخبرها القاضي بأن سحرها سينقلب عليها، وأنها ستتعرض للمسخ، ومنحها حرية الاختيار بين أن تتحول إلى ضفدعة أو ذبابة أو جرادة.
وبعد تفكير قصير، اختارت عقيسة أن تتحول إلى جرادة، لأنها كانت تعلم أن الجراد قادر على إتلاف الأشجار والمحاصيل.
وفي لحظات، تحولت الساحرة إلى جرادة وطارت مبتعدة، بينما أعاد القاضي الطفلين إلى أمهما الصالحة.
كيف ولدت أهزوجة “آجرادة مالحة”؟
رغم ما حدث، لم تتخل عقيسة عن رغبتها في الانتقام، فعادت إلى قرية الصالحة مصحوبة بسرب كبير من الجراد، بهدف القضاء على بستانها.
لكن المفاجأة كانت أن الجراد، عندما حاول أكل ثمار البستان، وجدها مالحة الطعم. وسرعان ما خرج سكان القرية واصطادوا الجراد كله، ثم قاموا بطهيه.
غير أن جرادة واحدة فقط لم يستطع أحد أكلها، لأن طعمها كان شديد الملوحة، فكان كل من يتذوقها يرميها بعيدا، وتقول الرواية إن تلك الجرادة لم تكن سوى عقيسة نفسها، التي أكلت من بستان الصالحة رغم ملوحته، وهو ما يؤكد حجم الحقد والكراهية اللذين كانت تكنهما لها.
وبقيت الجرادة عقيسة مرمية على الأرض بعد أن هلكت، لتبدأ بالتلاشي شيئا فشيئا، حتى تفتت جسدها واندثر أثرها، وعادت الحياة إلى طبيعتها، وأصبحت القصة تُروى بين الناس جيلا بعد جيل.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الأطفال يرددون هذه الحكاية من خلال الأهزوجة الشعبية: “آجرادة مالحة.. فين كنتي سارحة.. في جنان الصالحة.. آش كليتي آش شربتي.. غير تفاح و نفاح.. والحكمة بإيديك.. يا القاضي يا بومفتاح.”، التي تحولت مع مرور السنين إلى واحدة من أشهر الأهازيج المرتبطة بالتراث الشعبي المغربي.”
هل هذه القصة حقيقية؟
وقبل نهاية هذه الحكاية، تجدر الإشارة إلى أن قصة “آجرادة مالحة” ليست قصة حقيقية بالمعنى التاريخي، بل هي من الحكايات الشعبية التي نسجها الخيال الشعبي وتناقلها المغاربة عبر الأجيال. فالأحداث التي ترويها الرواية، مثل امتلاك القاضي بومفتاح لطائر يتحدث ويساعده في كشف الحقائق، أو قدرته على تحويل عقيسة إلى جرادة، تبقى من عناصر الخيال التي نجدها كثيرا في الأساطير والحكايات القديمة.
ورغم أن أحداث هذه القصة تنتمي إلى عالم الخيال ولا تتطابق مع الواقع والمنطق، فإنها تظل تحمل رموزا ومعاني مرتبطة بالصراع بين الخير والشر، وانتصار الحق على الظلم، وهو ما جعلها تحافظ على حضورها في الذاكرة الشعبية المغربية، وتنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكاية والأهزوجة.
للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا


