عمارة الحرية: الشاهد الصامت على اغتيال جاك لوميكرو ديبروي

تعد عمارة الحرية، المعروفة أيضًا باسم عمارة 17 طابقا (ديساتيام إيتاج)، واحدة من أقدم وأبرز المعالم التي تختزل ذاكرة مدينة الدار البيضاء. فقد كانت في فترة من الزمن، أطول بناية في القارة الإفريقية، وارتبط اسمها بأحداث ووقائع مفصلية أسهمت في رسم ملامح تاريخ المغرب، خاصة خلال فترة الحماية الفرنسية الممتدة من سنة 1912 إلى غاية 1956.
غير أن الحدث الأبرز الذي طبع تاريخ هذه العمارة يظل مقتل رجل الأعمال والصحفي الفرنسي جاك لوميكرو ديبروي، وهو الحدث الذي حول هذا الصرح المعماري من مجرد بناية شاهقة إلى شاهد صامت على واحدة من أكثر القضايا غموضا وإثارة للجدل في تاريخ المغرب الحديث.
وفي مقالنا هذا، نسلط الضوء على تفاصيل هذه الحادثة كما وردت في المصادر والروايات المتداولة. ولمن يرغب في متابعة تفاصيل هذه الحكاية بالصوت والصورة، يمكنكم مشاهدة الفيديو الكامل على قناة “حكاوي مغربية”، وهو مقدَم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: المدينة القديمة بالدار البيضاء ونادي الوداد: حكاية تاريخية وهوية أسطورية
فهرس المحتويات
تاريخ تشييد عمارة الحرية وخصائصها المعمارية
معلمة كانت الأعلى في إفريقيا
شيدت عمارة الحرية ما بين سنتي 1949 و1951، وفق تصميم وضعه المهندس المعماري السويسري ليونار موراندي. ويبلغ ارتفاعها نحو 77 مترا، وتتكون من 17 طابقا، الأمر الذي جعلها في ذلك الوقت أعلى بناية في القارة الإفريقية، ورمزا بارزا للحداثة العمرانية بمدينة الدار البيضاء.
نمط معماري حديث
تتميز عمارة الحرية بأسلوب معماري يعرف بـ Streamline Moderne، وهو نمط برز في منتصف القرن العشرين، ويعتمد على الخطوط الانسيابية والتصميم الذكي الذي يتيح دخول الضوء الطبيعي إلى مختلف الشقق. وقد شكلت في تلك الفترة مقرا لسكنى النخبة المغربية، إلى جانب عدد من الأجانب المقيمين بمدينة الدار البيضاء، وكان من بينهم جاك لوميكرو ديبروي نفسه.
من هو جاك لوميكرو ديبروي؟
النشأة والمسار المهني
ولد جاك لوميكرو ديبروي بفرنسا سنة 1894، في أسرة برجوازية مهتمة بالاقتصاد والسياسة. ويعد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين، إذ تولى إدارة شركة الزيوت الشهيرة Lesieur، التي تأسست سنة 1908.
وخلال فترة الحرب العالمية الثانية، لعب دورا بارزا في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ما أكسبه مكانة وازنة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية بفرنسا، ورسخ صورته كشخصية مؤثرة تتجاوز عالم المال والأعمال.
قدومه إلى المغرب
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، انتقل جاك لوميكرو ديبروي إلى المغرب في أواخر أربعينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت فيها الدار البيضاء تعرف دينامية اقتصادية متسارعة، وتستقطب حجمًا متزايدًا من الاستثمارات الفرنسية. وهناك تولّى إدارة الفرع المغربي لشركة Lesieur، ليصبح في وقت وجيز شخصية وازنة وذات نفوذ داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى السياسية، بمدينة الدار البيضاء.
مواقفه السياسية ومساندته لاستقلال المغرب
صحافة في مواجهة الاستعمار
ومع مرور الوقت، انخرط جاك لوميكرو ديبروي في النقاش السياسي الدائر آنذاك حول مستقبل المغرب، وبدأ يجاهر بمساندته لفكرة منح البلاد استقلالها. وفي هذا السياق، أسس صحيفة ماروك بريس ـ Maroc-Presse، التي تحولت إلى منبر إعلامي لانتقاد سياسات الحماية الفرنسية، والدعوة إلى الحوار والتفاوض بدل أساليب القمع والتصعيد.
سياق سياسي متوتر
جاءت مواقف جاك لوميكرو ديبروي في فترة كان فيها المغرب يعيش احتقانا سياسيا شديدا، خاصة بعد نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، وهو الحدث الذي أثار غضبًا شعبيا واسعا وأدى إلى موجة من العنف والاغتيالات من مختلف الأطراف.
وفي هذا الجو المتوتر، أصبح ديبروي صوتا مزعجا بالنسبة لسلطات الحماية الفرنسية، نتيجة انتقاداته المتكررة لأساليب القمع، ودعوته الواضحة إلى التفاوض ومنح المغرب استقلاله.
منظمة اليد الحمراء… الطرف المتهم
كانت مواقف ديبروي تعتبر خيانة في نظر بعض الأوساط الفرنسية المتشددة المقيمة في المغرب. ومن أبرز هذه الجهات منظمة “اليد الحمراء”، وهي مجموعة شبه عسكرية سرية كانت تستهدف الوطنيين المغاربة، بالإضافة إلى الفرنسيين المعارضين لسياسات الاستعمار.
ليلة الاغتيال أمام عمارة الحرية
تفاصيل الحادث
في مساء يوم السبت، 11 يونيو 1955، غادر جاك لوميكرو ديبروي شقته الواقعة في الطابق العاشر من عمارة الحرية، وكان برفقة صديقه الفرنسي سيمون كاستي. وعندما هم بركوب سيارته المتوقفة أمام العمارة، توقفت بالقرب منهما سيارتان، ونزل منهما مسلحون ملثمون أطلقوا النار عليهما مباشرة.
لقي ديبروي حتفه على الفور، بينما نجا صديقه سيمون كاستي بأعجوبة. وانتشر الخبر سريعا في المغرب وفرنسا، محدثا صدمة واسعة، لا سيما أن الضحية كان شخصية بارزة ومؤثرة وليست شخصا عاديا.
التحقيقات والجنازة ونهاية الملف
اتهامات دون إدانة
باشرت السلطات الفرنسية تحقيقات واسعة فور وقوع الجريمة، قادتها مصالح الأمن والاستخبارات، وتوجهت أصابع الاتهام مباشرة نحو منظمة اليد الحمراء. ومع ذلك، ورغم اعتقال بعض المشتبه فيهم، لم يدان أي شخص رسميا، وبقيت الحقيقة حول منفذي الجريمة غامضة حتى اليوم.
جنازة رسمية ونهاية غامضة
أقيمت جنازة جاك لوميكرو ديبروي في كاتدرائية القلب المقدس بالدار البيضاء يوم 14 يونيو 1955، ثم دفن في مقبرة فرنسية بالمدينة. وبعد مرور عشر سنوات، تم حفظ القضية بقرار “عدم المتابعة” سنة 1965، لتظل ملابسات الجريمة غامضة إلى يومنا هذا.
اغتيال عجل بتغيّر السياسة الفرنسية
رغم غموض ملابسات الجريمة، يبقى المؤكد أن اغتيال ديبروي شكل نقطة تحول دفعت السلطات الفرنسية إلى إعادة النظر في سياساتها بالمغرب، خصوصا مع تصاعد الضغوط الوطنية والدولية المطالبة بعودة السلطان محمد الخامس، وصولا إلى استقلال البلاد.
تخليد الذكرى في ذاكرة المدينة
حملت الساحة المحاذية لعمارة الحرية اسم لوميكرو ديبروي، تكريما لذكراه واعترافا بمواقفه الداعمة للمغرب والمغاربة، ورفضه لسياسة القمع التي انتهجتها سلطات الحماية الفرنسية.
تظل عمارة الحرية أكثر من مجرد بناية شاهقة، فهي معلمة تاريخية تحتضن في جدرانها فصولا من الصراع، والنضال، والتحولات الكبرى التي شهدها المغرب في منتصف القرن العشرين.
للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا





