يعد مركز التعريف بالتراث بالدار البيضاء واحدا من أبرز الفضاءات الثقافية التي تسلط الضوء على تاريخ المدينة القديمة، وتعرّف الزوار بمراحل تطور العاصمة الاقتصادية للمغرب عبر مختلف الحقب، فمن خلال ما يضمه من وثائق وصور وخرائط ومجسمات، يقدم المركز صورة متكاملة عن الحياة اليومية التي كانت تميز الدار البيضاء قبل أن تتحول إلى المدينة الحديثة التي نعرفها اليوم.
ويقع هذا الفضاء الثقافي وسط أزقة المدينة القديمة، حيث يحتضن مبنى تاريخيا يعود إلى فترة الحماية الفرنسية، جرى ترميمه وإعادة تأهيله ليصبح فضاء مخصصا للحفاظ على ذاكرة الدار البيضاء والتعريف بتراثها العمراني والاجتماعي والثقافي.
وخلال زيارة هذا المركز، يكتشف الزائر محطات مهمة من تاريخ المدينة، بداية من الحياة داخل الأسوار القديمة، مرورا بفترة الحماية الفرنسية، وصولا إلى التحولات العمرانية التي غيرت ملامح الدار البيضاء على امتداد العقود الماضية،
وسنسلط الضوء أيضا في هذا المقال على قبة زيفاكو، المعروفة عند البيضاويين باسم “الكرة الأرضية”، وهي من أشهر المعالم التي تزين ساحة الأمم المتحدة، وتخفي أسفلها فضاء ثقافيا لا يعرفه الكثيرون.
ولمن يفضل التعرف على هذا الفضاء بالصوت والصورة، ندعوكم إلى مشاهدة التقرير الذي أعدته قناة “حكاوي مغربية” عن مركز التعريف بالتراث بالدار البيضاء، حيث نوثق من خلاله تفاصيل الزيارة ومختلف الأروقة والمعروضات التي يحتضنها المركز، وتجدر الإشارة إلى أن التقرير مقدم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: متحف ذاكرة الدار البيضاء: فيلا الألماني كارل فيك التي تحولت إلى متحف
فهرس المحتويات
مركز التعريف بالتراث… مشروع لحفظ ذاكرة الدار البيضاء
عرفت مدينة الدار البيضاء خلال السنوات الأخيرة دينامية جديدة في مجال تثمين تراثها التاريخي، من خلال إطلاق عدد من المشاريع التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للمعالم القديمة، وإنشاء فضاءات ثقافية تحفظ ذاكرة المدينة وتقدمها للأجيال الجديدة.
ويأتي مركز التعريف بالتراث ضمن هذه المبادرات، حيث يخصص فضاءاته للتعريف بتاريخ المدينة القديمة، وإبراز ما تزخر به من قيمة عمرانية واجتماعية وثقافية، كما يقدم للزائر صورة عن مختلف المراحل التي مرت بها الدار البيضاء منذ بداياتها الأولى إلى أن أصبحت اليوم أكبر مدينة في المغرب.
ويشكل هذا المركز اليوم فضاء مفتوحا أمام كل من يريد التعرف على جانب آخر من تاريخ الدار البيضاء، بعيدا عن صورتها الحديثة المرتبطة بالاقتصاد والأعمال.، كما أن الدخول إليه مجاني، وهو ما يجعله من الأماكن الثقافية التي يمكن زيارتها لاكتشاف جزء من ذاكرة المدينة.
تاريخ المبنى… من دار للإقامة إلى فضاء ثقافي
مقر للمراقب المدني خلال فترة الحماية
يقع مركز التعريف بالتراث بالدار البيضاء داخل مبنى تاريخي يعود إلى فترة الحماية الفرنسية، وهو مبنى ارتبط منذ البداية بتدبير شؤون المدينة القديمة.
فقد شيد هذا المكان ليكون مقرا لإقامة المراقب المدني الفرنسي، الذي كان مكلفا بالإشراف على شؤون المدينة، وكان يعرف آنذاك باسم “دار الإقامة”، وقد ظل هذا المبنى شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ الدار البيضاء، قبل أن تتغير وظيفته لاحقا ويصبح فضاء مخصصا لحفظ ذاكرة المدينة والتعريف بتراثها.
ويتميز المبنى بطابع معماري يجمع بين عناصر مستوحاة من العمارة المغربية ولمسات أوروبية، وهو ما يعكس خصوصية الفترة التي بني خلالها، والتي شهدت تحولات كبيرة في شكل المدينة وهندستها العمرانية.

المدرسة العبدلاوية
وفي سنة 1942، تغيرت وظيفة هذا المبنى بعدما تم تحويله إلى مؤسسة تعليمية حملت اسم “المدرسة العبدلاوية”، وقد واصل أداء هذا الدور لعقود طويلة، حيث احتضن أجيالا من التلاميذ قبل أن يتوقف نشاطه التعليمي، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من تاريخه كفضاء مخصص للتعريف بتراث المدينة وذاكرتها.
إعادة الترميم والافتتاح
وفي إطار برنامج تثمين المدينة القديمة، خضع المبنى لعملية ترميم وإعادة تأهيل هدفت إلى الحفاظ على مكوناته المعمارية الأصلية، مع تهيئة فضاءاته حتى تستجيب لوظيفته الجديدة كمركز ثقافي مفتوح أمام الزوار.
وفي سنة 2022، افتتح المبنى رسميا ليحتضن مركز التعريف بالتراث، حيث أصبح فضاء مخصصا للتعريف بتاريخ الدار البيضاء القديمة وإبراز مختلف جوانب تراثها العمراني والاجتماعي والثقافي.
ماذا ستشاهد داخل مركز التعريف بالتراث؟
يضم مركز التعريف بالتراث مجموعة مهمة من الوثائق والصور التاريخية والخرائط والرسومات التي توثق مختلف مراحل تطور المدينة القديمة، وتقدم صورة عن التحولات التي عرفتها الدار البيضاء عبر العقود.
ومن خلال هذه المعروضات، يكتشف الزائر تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تميز سكان المدينة القديمة، حيث تسلط الضوء على مختلف الأنشطة والمجالات التي شكلت جزءا من حياة البيضاويين في تلك الفترة، من التجارة التقليدية والصيد البحري إلى الحرف والصناعات التقليدية والتعليم داخل الكتاتيب، مرورا بالأسواق القديمة والمساجد والحمامات التقليدية، وصولا إلى الأزقة الضيقة والأسوار التاريخية التي منحت المدينة طابعها الخاص.
ولا تقتصر تجربة الزيارة على الاطلاع على الصور والوثائق فقط، بل تساعد على استحضار أجواء الدار البيضاء القديمة والتعرف على شكل الحياة داخل أحيائها قبل التحولات العمرانية الكبرى التي غيرت ملامح المدينة خلال القرن العشرين.

إقرأ أيضا: جولة داخل متحف بنك المغرب: قصة الدرهم من النشأة إلى الارتباط بالدرهم الإماراتي
ذاكرة اليهود المغاربة داخل المدينة القديمة
جزء أصيل من تاريخ الدار البيضاء
ومن بين الفضاءات التي تستحق التوقف عندها داخل المركز، ذلك الرواق المخصص لتاريخ اليهود المغاربة الذين عاشوا داخل أسوار المدينة القديمة، حيث يقدم جانبا من حضورهم في الحياة اليومية للدار البيضاء عبر فترات مختلفة.
ويضم هذا الفضاء مجموعة من الوثائق والمخطوطات والصور التي توثق لجوانب من حياة هذه الطائفة، وتبرز مساهمتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى طبيعة العلاقات التي جمعت أفرادها بباقي سكان المدينة.
فقد شكل اليهود المغاربة، إلى جانب المسلمين، جزءا من تاريخ الدار البيضاء وتركيبتها الاجتماعية، حيث عاش الطرفان لقرون طويلة في إطار من التعايش والتبادل التجاري والثقافي، وهي خصوصية ميزت العديد من المدن المغربية عبر التاريخ.

كيف خرجت الدار البيضاء من أسوار المدينة القديمة؟
ويعرض المركز كذلك مجموعة من الوثائق التاريخية التي توثق لبداية فترة الحماية الفرنسية سنة 1912، وهي مرحلة شكلت نقطة تحول في مسار تطور الدار البيضاء وطريقة تنظيمها العمراني.
فبعد أن كانت الحياة تتركز داخل أسوار المدينة القديمة، بدأت الدار البيضاء في التوسع تدريجيا خارج حدودها التقليدية، مع ظهور أحياء جديدة صممت وفق تصورات عمرانية حديثة، وهو ما ساهم في تغيير ملامح المدينة خلال العقود اللاحقة.
كما تساعد الخرائط والصور المعروضة على تتبع هذا التطور وفهم كيفية انتقال الدار البيضاء من مدينة ساحلية محدودة النشاط إلى إحدى أبرز المدن الاقتصادية في المنطقة.
قبة زيفاكو… أشهر “كرة أرضية” في الدار البيضاء
وعلى بعد خطوات قليلة من مركز التعريف بالتراث، وتحديدا بساحة الأمم المتحدة، تنتصب قبة زيفاكو، التي تعد واحدة من أشهر المعالم التي تميز قلب الدار البيضاء.
ورغم أن أغلب البيضاويين يعرفونها باسم “الكرة الأرضية”، فإن اسمها الحقيقي يرتبط بالمهندس المعماري الفرنسي جان فرانسوا زيفاكو، الذي يعد من أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في العمارة المغربية الحديثة، من خلال مجموعة من المشاريع التي صممت وفق رؤية معمارية مختلفة.
وقد افتتحت هذه القبة سنة 1975، لتصبح مع مرور السنوات أحد الرموز التي ارتبطت بصورة الدار البيضاء، قبل أن تخضع لاحقا لعملية إعادة تهيئة أعادت إليها حضورها في المشهد الحضري للمدينة.

ماذا يوجد تحت قبة زيفاكو؟
يعتقد الكثير من المارة أن القبة ليست سوى مجسم معماري يزين ساحة الأمم المتحدة، غير أن هذا المعلم يخفي أسفله فضاء ثقافيا يحتضن معارض مؤقتة وأنشطة فنية وثقافية مختلفة، وذلك بعد إعادة تأهيله خلال السنوات الأخيرة.
وقد مرت القبة بفترة من الإهمال أثرت على حضورها داخل المشهد الحضري للمدينة، قبل أن تخضع سنة 2016 لعملية إعادة تهيئة أعادت فتحها أمام الأنشطة الثقافية، وحافظت على مكانتها كأحد المعالم المعمارية المميزة في الدار البيضاء.
من هو جان فرانسوا زيفاكو؟
يعد جان فرانسوا زيفاكو (1916-2003) من أبرز المهندسين المعماريين الذين تركوا بصمة واضحة في المغرب خلال القرن العشرين، فقد ولد بمدينة الدار البيضاء، وتابع دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس، حيث تخرج سنة 1945، قبل أن يعود إلى المغرب ويبدأ مسارا مهنيا حافلا بتصميم عدد من المشاريع المعمارية التي ما تزال شاهدة على أسلوبه إلى اليوم.
واعتمد زيفاكو في أعماله على توجه معماري حداثي، مع محاولة إدماج بعض العناصر المستوحاة من الخصوصية المغربية، وهو ما منح تصاميمه طابعا مميزا جعل عددا من مبانيه من العلامات المعمارية المعروفة في الدار البيضاء ومدن مغربية أخرى.
واستمر ارتباط زيفاكو بمدينة الدار البيضاء إلى نهاية حياته، حيث توفي بها سنة 2003، تاركا وراءه مجموعة من الأعمال التي ما زالت تثير اهتمام الباحثين والمهتمين بتاريخ العمارة الحديثة في المغرب.

لماذا تستحق زيارة مركز التعريف بالتراث؟
إذا كنت ترغب في التعرف على جانب آخر من الدار البيضاء، بعيدا عن صورتها الحديثة كمدينة للأعمال والمشاريع الكبرى، فإن زيارة مركز التعريف بالتراث تعد فرصة لاكتشاف تاريخ المدينة القديمة وذاكرتها، فهذا الفضاء لا يكتفي بعرض الصور والوثائق، بل يقدم للزائر لمحة عن التحولات التي عرفتها العاصمة الاقتصادية، وعن المكونات التي ساهمت في تشكيل هويتها عبر الزمن.
ومع وجود قبة زيفاكو وساحة الأمم المتحدة وعدد من المعالم التاريخية بالقرب من المركز، تصبح هذه المنطقة من أفضل الأماكن لاكتشاف جانب من تاريخ الدار البيضاء في جولة واحدة تجمع بين الثقافة والعمارة والذاكرة الحضرية.

