اليهودي حاييم بن دحان والسلطان مولاي يوسف: قصة تأسيس حي الحبوس

حين تطأ قدماك حي الحبوس بمدينة الدار البيضاء، ينتابك إحساس خاص بأنك ابتعدت قليلا عن صخب الحاضر، وكأنك عدت سنوات إلى الوراء. فالأزقة هنا تختلف عن باقي أحياء العاصمة الاقتصادية، والعمارة لا تشبه المباني الحديثة، بل تعكس طابعا تاريخيا وروحا مميزة، تجعل من حي الحبوس فضاء يحتفظ بذاكرة مدينة كاملة بين أزقته وجدرانه.
غير أن هذا الحي العريق لا يختصر في شكله المعماري أو هدوئه فقط، بل يقف خلفه مسار تاريخي معقد، تتداخل فيه السياسة بالعمران، والدين بالاقتصاد. مسار تبدأ ملامحه بقصة رجل يهودي ارتبط اسمه بنشأة حي الحبوس، وهو حاييم بن دحان.
وفي هذا المقال، سنحاول تسليط الضوء على قصة حي الحبوس من زاوية تاريخية مختلفة، من خلال التوقف عند ظروف نشأته والخلفيات التي رافقت بناؤه، والتعرف على الدور الذي لعبه حاييم بن دحان في توفير الأرض التي أقيم عليها الحي، وعلاقته بالسلطان مولاي يوسف، إلى جانب إبراز أهم المعالم التي ميّزت هذا الفضاء العريق، وكيف أصبح اليوم أحد أبرز الشواهد على التحولات العمرانية والتاريخية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء.
ولمن يرغب في متابعة هذه القصة بالصوت والصورة، يمكنه مشاهدة الفيديو أسفله، حيث نأخذكم في جولة داخل حي الحبوس والتعرف على حكاية حاييم بن دحان من عين المكان، مع الإشارة إلى أن التقرير مقدم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: كيف استعاد المغاربة قلعة مازغان؟ الحكاية الكاملة للحي البرتغالي بالجديدة
فهرس المحتويات
ظروف نشأة حي الحبوس وبدايات البناء
انطلقت أشغال تشييد حي الحبوس سنة 1917، في مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، وذلك بمبادرة من المارشال ليوطي، أول مقيم عام فرنسي بالبلاد. وجاء هذا المشروع في إطار إعادة تنظيم النسيج العمراني لمدينة الدار البيضاء، التي كانت آنذاك تعرف توسعًا متسارعًا وضغطا ديموغرافيا متزايدا.
تم إسناد مهمة تصميم الحي إلى المهندس الفرنسي هنري بروست، الذي سعى إلى إنشاء مدينة تقليدية جديدة، موجهة أساسا للمغاربة، تحاكي في معمارها الطراز المغربي الأصيل، وعلى مقربة من القصر السلطاني للسلطان مولاي يوسف. وكان الهدف من ذلك تحقيق توازن عمراني بين المدينة الأوروبية الحديثة والمدينة المغربية التقليدية، في نموذج يجمع بين الحداثة والهوية.
حاييم بن دحان: الإسم الذي يقف خلف الحكاية
الأرض التي أقيم عليها حي الحبوس كانت في الأصل مملوكة لرجل أعمال يهودي ثري يدعى حاييم بن دحان، وقد قام بالتبرع بها لفائدة السلطان من أجل تشييد القصر الملكي والحي الجديد. لاحقا، جرى تحبيس هذه الأرض لصالح وزارة الأوقاف، ليحمل الحي منذ ذلك الوقت اسم الحبوس.
ويُعد حاييم بن دحان من كبار ملاك الأراضي في هذه الجهة من الدار البيضاء، إذ كانت في ملكيته مساحات شاسعة عرفت لاحقا بدرب السلطان، و درب ليهودي يعني درب حاييم بن دحان نفسه. وقد ساهمت هذه الأراضي في تشكل ملامح المنطقة مع توسع المدينة.
أصول حاييم بن دحان ودوره الاقتصادي
تشير الروايات التاريخية إلى أن حاييم بن دحان كان يهوديا من أصول جزائرية، واسمه الكامل حاييم بن موشي بن دحان، ولد بمدينة وهران قبل أن يقترح عليه الاستقرار في المغرب والاستثمار فيه، حيث تمكن من بناء ثروة كبيرة شملت مجالات التجارة والزراعة والفلاحة.
وكان بن دحان يمتلك أرضا فلاحية واسعة كانت تعرف باسم «بحاير لكرازم»، مساحتها حوالي 41.600 متر مربع، وهي البستان الذي قرر أن يهبه للسلطان مولاي يوسف لتشييد القصر الملكي وحي الحبوس. وفي 13 مارس 1917، وقع السلطان على ظهير شريف ينقل هذه الأراضي إلى دائرة الأحباس.
إقرأ أيضا: ترميم قصر البحر بآسفي: مشروع إنقاذ معلمة تاريخية عمرها 5 قرون
أسواق حي الحبوس: روح المكان اليومية
يعرف حي الحبوس اليوم بأسواقه المتنوعة، حيث تعرض منتجات الصناعة التقليدية المغربية، من زرابي وأوانٍ خزفية إلى تحف جلدية ونحاسية، ومخطوطات وعطور تقليدية، وغيرها من المقتنيات التي تجذب السياح الأجانب والزوار المغاربة على حد سواء.
وتعد هذه الأسواق قلب الحي النابض، فهي لا تحافظ فقط على النشاط التجاري، بل تعكس أيضا نمط الحياة المغربي التقليدي، بعيدا عن صخب المراكز التجارية الحديثة، محافظة بذلك على هوية المكان وروحه التاريخية.
محكمة الباشا: جوهرة معمارية داخل الحي
من بين أبرز المعالم التاريخية بحي الحبوس، تبرز محكمة الباشا، التي شيدت بين سنتي 1941 و1942 وفق الطراز المورو‑الأندلسي، وهو النمط المعماري المستوحى من الحضارة الإسلامية في الأندلس والمغرب، ويتميز بالأقواس المزخرفة والزليج والخشب المنحوت.
وقد جاء إنشاء محكمة الباشا بأمر من الباشا الطيب المقري، نجل الصدر الأعظم محمد بن عبد السلام المقري، بهدف إقامة محكمة أهلية جديدة داخل حي الحبوس. وقد أوكل تصميمها إلى المهندس المعماري الفرنسي أوغوست كادي، الذي أشرف أيضا على تصميم مسجد محمد الخامس، أكبر مساجد حيّ الحبوس، بمشاركة المهندس الفرنسي إدمون بريون.
متاهة الأزقة: سحر لا ينتهي
رغم كل هذه التفاصيل التاريخية والمعمارية، يظل أكثر ما يميز حي الحبوس هو الشعور الذي ينتابك عند دخولك، كأنك دخلت متاهة ساحرة من الأزقة الضيقة، حيث يختلط الهدوء بجمال المكان، ويصبح التجوال فيه تجربة زمنية بقدر ما هو جولة مكانية، فتغادر الحي محملا بذكريات لا تشبه أي مكان آخر في الدار البيضاء.


للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا


