مشاريع المغرب

مستجدات فندق لينكولن: رحلة إعادة تأهيل أحد أشهر مباني الدار البيضاء

في قلب مدينة الدار البيضاء، ينتصب مبنى يعود تاريخ تشييده إلى سنة 1917، مبنى كان شاهدا على قرن كامل من تحولات المدينة وتاريخها… إنه فندق لينكولن، الفندق التاريخي والأسطوري للعاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية.

عاش فندق لينكولن فترات ازدهار وتألق، كما مر أيضا بسنوات طويلة من الإهمال والنسيان، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة من جديد، في محاولة لاستعادة مكانته وربط ماضيه العريق بحاضره.

في هذا المقال، سنكتشف آخر مستجدات إعادة تأهيل هذا المبنى، كما سنسافر معا في رحلة عبر الزمن لنستحضر ماضيه العريق، ونتعرف على حكايته، وكيف استطاع اليوم أن يبعث من جديد بعد عقود طويلة من الإهمال والنسيان.

ولمن يرغب في استكشاف ورش إعادة تأهيل فندق لينكولن عن قرب، ومشاهدة ما ورد في هذا المقال بالصوت والصورة، ندعوكم إلى متابعة الفيديو الخاص بنا على قناة حكاوي مغربية، حيث رافقناكم بكاميرتنا في جولة ميدانية نرصد من خلالها تفاصيل هذا الورش الكبير وننقل أجواءه كما هي على أرض الواقع.

إقرأ أيضا: مشروع وصال الدار البيضاء – الميناء: لماذا تأخر المشروع ومتى سيرى النور؟

بدايات الدار البيضاء الحديثة

بعد فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، بدأت فرنسا في نقل نمط عيشها وثقافتها إلى المملكة، في إطار مشروع استعماري كان يهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الحضري وفق رؤية حديثة مستوحاة من أوروبا. وفي هذا السياق، سعت إلى إنشاء نموذج مصغر للحياة الأوروبية داخل مدينة الدار البيضاء، التي كانت تعرف آنذاك تحولات عمرانية واقتصادية متسارعة، جعلت منها ورشا مفتوحا لتجارب التخطيط الحديث.

وقد أوكلت هذه المهمة إلى مارشال ليوطي، أول مقيم عام فرنسي في المغرب، والذي كان يرى في الدار البيضاء نموذجا لمدينة عصرية تجمع بين الطابع المحلي والتأثير الأوروبي. وبناء على ذلك كلف المهندس المعماري هنري بروست بوضع تصور عمراني متكامل للمدينة، مستلهما من تخطيط المدن الفرنسية، خاصة باريس، سواء من حيث تنظيم الشوارع أو توزيع الفضاءات. و تم اعتماد أسلوب معماري مميز يعرف باسم الآرت ديكو، الذي لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل أصبح مع مرور الوقت جزءا من هوية الدار البيضاء المعمارية.

بداية فندق لينكولن

في إطار تشجيع الأوروبيين على الاستقرار بالمغرب، عملت فرنسا على توفير مشاريع استثمارية وترفيهية متنوعة، تلبي حاجيات الزوار والمستثمرين الأوروبيين على حد سواء. وهكذا، تم تكليف المهندس الفرنسي هيبير بريد ببناء أحد أفخم فنادق الدار البيضاء آنذاك، مع الحرص على أن يجمع بين الفخامة الأوروبية والطابع العصري الذي كانت المدينة تتجه نحوه.

وقد تم افتتاح الفندق سنة 1917 بشارع المحطة، الذي أصبح بعد الاستقلال يعرف باسم شارع محمد الخامس، وكان الفندق جزءا من بناية كبيرة تعرف باسم “بيسونو”، تضم مجموعة من المرافق والخدمات، بالإضافة إلى محلات تجارية متنوعة، مما جعل هذا المبنى مركزا نابضا بالحياة ويجسد الطابع العصري للدار البيضاء في تلك الفترة.

فندق لينكولن

لماذا سمي بفندق لينكولن؟

تم إطلاق اسم لينكولن على الفندق تيمنا بالرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، الذي يعد من أبرز الشخصيات في تاريخ الولايات المتحدة.

ولد لينكولن سنة 1809، واشتهر بنضاله المستمر من أجل حقوق الإنسان ومكافحة العبودية، الأمر الذي أدى إلى إصدار إعلان تحرير العبيد. شغل منصب الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة بين عامي 1861 و1865، وقاد البلاد خلال الحرب الأهلية الأمريكية، محافظا على الاتحاد وساعيا لتحقيق العدالة والمساواة.

اغتيل لينكولن سنة 1865 على يد الممثل جون ويلكس بوث، الذي عارض سياساته الإصلاحية واعتبرها تهديدا لمصالح الجنوب. ورغم مقتله، ظل رمزا للحرية والعدالة، ومازال اسمه مرتبطا بالنضال من أجل حقوق الإنسان، وهو السبب في تسمية الفندق باسمه تكريما لإرثه التاريخي الكبير.

بداية التدهور: من المجد إلى الإهمال

ابتداء من أواخر الثمانينات، بدأ فندق لينكولن يفقد بريقه، وظهرت آثار الإهمال على هيكله ومرافقه بشكل واضح. وكانت نقطة التحول الحاسمة سنة 1989، بعد انهيار إحدى شرفاته، في حادث مأساوي أدى إلى وفاة شخصين، ما دفع السلطات إلى إغلاق الفندق حفاظا على السلامة العامة، وبدأت بذلك مرحلة طويلة من التدهور.

مع مرور السنوات، تدهورت حالة الفندق بشكل أكبر بسبب غياب الصيانة المنتظمة، وتحول المبنى تدريجيا إلى مأوى للمشردين، حتى تم التفكير في هدمه نهائيا، لكن سنة 2000 شكلت منعطفا مهما، بعدما قررت وزارة الثقافة تصنيفه كمبنى تاريخي، وهو القرار الذي حال دون هدمه، على الرغم من استمرار الإهمال الذي طال معظم أجزائه.

وفي سنة 2015، وبعد وفاة أحد المشردين داخل المبنى، تم تدعيم جدران الفندق بدعامات حديدية قوية، ومنع الولوج إليه بشكل كامل.

إقرأ أيضا: محطة الدار البيضاء الجنوب و مشروع قطارات RER: نقلة نوعية لمنظومة النقل في الدار البيضاء

صراع قانوني حول ملكية الفندق

بعد تصنيفه كمبنى تاريخي، قررت الدولة نزع ملكية فندق لينكولن، إلا أن المالك الأصلي ادريس بندرة، و هو مواطن مغربي من أصول جزائرية رفض هذا القرار، ودخل في نزاع قانوني طويل ومعقد مع وزارة الثقافة، مستندا إلى أن الفندق لم يعد يحتفظ بقيمته التراثية الكاملة بعد الحديث سابقا عن إمكانية هدمه وتعويضه ببناية جديدة.

ومع استمرار هذا النزاع، تدخلت سنة 2005 الجماعة الحضرية للدار البيضاء، وقررت هي الأخرى نزع الملكية بحجة المصلحة العامة، في خطوة أثارت جدلاً واسعا حول مستقبل المبنى وحق المالك في التعويض. واستمر الوضع على هذا النحو حتى سنة 2012، حين تم حسم النزاع رسميا بنقل ملكية العقار إلى الوكالة الحضرية للدار البيضاء، ليبدأ بذلك فصل جديد في تاريخ الفندق، مرتبطا بمراحل إعادة تأهيله وإعادة إحيائه كمعلم تاريخي بارز في قلب المدينة.

انطلاق مشروع إعادة التأهيل

رغم كل هذه التطورات القانونية، استمر الإهمال يطال فندق لينكولن حتى سنة 2021، حين تم إبرام اتفاقية مهمة بين الوكالة الحضرية للدار البيضاء ومجموعة التطوير العقاري رياليتي أفريك ـ Réalités Afrique، بهدف إعادة تأهيل الفندق وإحيائه من جديد.

واشترطت الاتفاقية الحفاظ على الواجهة التاريخية للفندق كجزء من التراث العمراني للمدينة، مع الالتزام بمعايير الحفاظ على الموروث التاريخي ودمج عناصر حديثة تضمن عودة الفندق إلى مكانته كأحد أبرز المعالم الفندقية في المدينة.

بعد انتهاء الأشغال، من المرتقب أن ينضم الفندق إلى سلسلة راديسون كوليكشن ـ Radisson Collection، وهي علامة فندقية فاخرة معروفة باختيارها الدقيق لمشاريعها. وسيحمل الفندق إسم “لينكولن راديسون كوليكشن”، ليبدأ فصلا جديدا من تاريخه.

أكثر من مجرد فندق… ذاكرة مدينة

فندق لينكولن ليس مجرد مبنى قديم، بل هو ذاكرة حية تختزل عقودا من تاريخ مدينة الدار البيضاء. يحمل بين جدرانه إرثا معماريا فريدا، ويعكس التحولات التي شهدتها المدينة منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من الإهمال والتحديات، يستعد فندق لينكولن للعودة في حلة جديدة تجمع بين الفخامة والروح المعمارية الأصيلة. وسيعيد فتح صفحة جديدة في تاريخ المدينة، مع إحياء جزء مهم من ذاكرتها الجماعية، ليصبح رمزا يجمع بين الماضي العريق والحاضر المشرق.

فندق لينكولن
فندق لينكولن

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock