مشاريع المغرب

مشروع المحج الملكي بالدار البيضاء: حلم الحسن الثاني الذي يعود إلى الواجهة بعد عقود

صورة تخيلية بالذكاء الاصطناعي لمشروع المحج الملكي عند اكتماله

كان المحج الملكي جزءا من رؤية عميقة حملها الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله لمدينة الدار البيضاء، المدينة التي أحبها باعتبارها القلب الاقتصادي النابض للمغرب وعاصمة الحداثة والعمران. غير ان هذه المكانة، في نظره، لم تكن مكتملة، اذ كان يرى ان الدار البيضاء، رغم عظمتها، تفتقر الى البعد الروحي والرمزية الدينية التي ميزت عبر التاريخ كبريات الحواضر المغربية.

فالرباط تتزين بمسجد حسان، وفاس تحتضن جامع وجامعة القرويين، ومراكش يعلو فيها صرح الكتبية، بينما ظلت الدار البيضاء، لسنوات طويلة، مدينة بلا معلمة دينية كبرى تجسد هويتها الروحية. ومن هنا، ولد قرار تاريخي ببناء مسجد استثنائي لا يشبه غيره، مسجد يطل على مياه المحيط الاطلسي ويحمل اسم صاحبه، مسجد الحسن الثاني، ليكون منطلقا لرؤية عمرانية وروحية اوسع، كان المحج الملكي احد ابرز معالمها المؤجلة.

وقامت قناة “حكاوي مغربية” بزيارة ميدانية لموقع مشروع المحج الملكي، حيث تم توثيق الاجواء الحالية بالصوت والصورة ورصد ما تعرفه المنطقة من تغييرات. ولمن يرغب في متابعة الزيارة كاملة، يمكنكم مشاهدة الفيديو اسفله، مع الاشارة الى ان التقرير مقدم باللهجة المغربية.

إقرأ أيضا: برج محمد السادس: التحفة المعمارية في مشروع تهيئة ضفتي أبي رقراق

مسجد الحسن الثاني: معلمة دينية على مياه الأطلسي

قرر الملك الحسن الثاني تشييد مسجد ضخم يعد من أكبر مساجد العالم، ويبنى فوق مياه المحيط الاطلسي، في خطوة غير مسبوقة من حيث الموقع والرمزية. مسجد يحمل اسمه ويجسد رؤيته لمدينة الدار البيضاء كفضاء يجمع بين الحداثة والروحانية، بين البحر والايمان، وبين العمران والقداسة.

غير أن هذا الصرح الديني لم يكن مشروعا معزولا، بل جاء ضمن رؤية اشمل ارتبطت بمشروع ملكي كبير ظل مؤجلا لسنوات طويلة، قبل أن تعود ملامحه الى الظهور من جديد وتدخل حيز النقاش والتنفيذ.

مشروع المحج الملكي: فكرة قديمة برؤية حديثة

ما هو المحج الملكي تاريخيا؟

المحج الملكي هو المسار الرسمي الذي يربط بين القصر الملكي والمسجد الذي يؤدي فيه السلطان أو الملك صلاة الجمعة أو صلاتي العيدين. وكان هذا الطريق يعد أحد الرموز القوية لهيبة الدولة المغربية، حيث يخرج الموكب السلطاني في أجواء احتفالية مهيبة ترافقه الحراسة ووجهاء الدولة والعلماء.

وكان المحج يزين بعناية وتغلق المنافذ والطرق الجانبية المؤدية إليه، ليجسد الصلة الروحية والرمزية بين القصر باعتباره مركز الحكم، والمسجد بوصفه مصدر الشرعية الدينية.

الحسن الثاني وإحياء المحج الملكي خارج الرباط

أراد الملك الحسن الثاني إحياء هذا التقليد العريق، لكن بروح عصرية ورؤية عمرانية حديثة، وهذه المرة خارج العاصمة الرباط. فبعد تشييد مسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء، كان المخطط الأصلي يقضي بإنشاء محج ملكي يربط بين القصر الملكي بالحبوس في درب السلطان والمسجد، غير أن هذا الطموح سرعان ما اصطدم بواقع عمراني معقد.

أسباب تعثر المشروع لأكثر من 30 سنة

عراقيل عمرانية وهندسية

واجه المشروع منذ بداياته عدة تحديات كبرى، كان من أبرزها الكثافة العمرانية الكبيرة الممتدة بين القصر والمسجد، وتعدد الملكيات الخاصة وصعوبة نزعها، إضافة إلى وجود مبان تاريخية ومرافق إدارية لا يمكن إزالتها بسهولة.

كما أن الطبوغرافيا المعقدة للمسار جعلت الربط المباشر بين القصر والمسجد مهمة هندسية شديدة الصعوبة، تتطلب هدم أحياء كاملة وإعادة هيكلتها من الصفر، وهو ما جعل تنفيذ المشروع في صيغته الأولى أمرا شبه مستحيل.

تعديل المسار: من القصر إلى ساحة محمد الخامس

أمام هذه التحديات، قررت السلطات في مرحلة لاحقة تقليص مسار المحج الملكي، ليصبح ممتدا من ساحة محمد الخامس، المعروفة أيضا بساحة الحمام، في اتجاه مسجد الحسن الثاني. وبهذا التعديل، ولد المحج الملكي الجديد كرؤية حضرية متجددة تجمع بين الرمزية الملكية والدلالة التاريخية، لكن ضمن إطار واقعي قابل للتنفيذ، دون المساس الجذري بالنسيج العمراني القائم.

تحديات التنفيذ والبعد الاجتماعي

نزع الملكيات ومعاناة الساكنة

رغم أهمية المشروع، فإنه لا يخلو من تحديات اجتماعية كبيرة، تأتي في مقدمتها مسألة نزع الملكيات. فمسار المشروع يمر عبر عقارات ذات وضعيات قانونية معقدة، تتطلب وقتا طويلا لتسويتها، وتعويضات مالية مهمة، إضافة إلى إعادة إيواء مئات الأسر والتجار المتضررين.

ويطالب السكان بضمانات حقيقية تضمن لهم الحصول على سكن بديل لائق وتعويضات عادلة تحفظ كرامتهم ومصادر رزقهم، في ظل انتقادات متزايدة لضعف التواصل بين الجهات المسؤولة والساكنة المتأثرة بالمشروع.

مكونات مشروع المحج الملكي

يمتد المحج الملكي على مسافة تقارب كيلومترا ونصف، ويغطي مساحة تقدر بنحو خمسين هكتارا. ومن أبرز مكوناته:

  • متنزه حضري كبير يضم مساحات خضراء بين ساحة محمد الخامس ومسجد الحسن الثاني
  • تحسين شبكات التنقل داخل المنطقة
  • إنشاء مسارات مخصصة للمشاة
  • تشييد أبراج وفنادق ومرافق تجارية
  • إنشاء مراكز تسوق ومقاه ومطاعم
  • إعادة تأهيل الأحياء المحيطة بالمشروع

وسيشكل هذا المشروع متنفسا بيئيا وجماليا لساكنة الدار البيضاء، إلى جانب كونه ورشا عمرانيا ضخما يعيد تشكيل قلب المدينة.

بين الطموح والإنصاف الاجتماعي

يبقى الأمل معقودا على أن ينفذ مشروع المحج الملكي وفق مقاربة عادلة تراعي البعد الاجتماعي، وتعالج ملفات الأسر التي نُزعت أو ستنزع ملكياتها، مع ضمان تعويض عادل وسكن بديل يليق بكرامة المواطنين.

المحج الملكي

خاتمة: حلم يعود إلى الحياة

مشروع المحج الملكي ليس مجرد ورش عمراني، بل هو نقلة نوعية في مسار مدينة الدار البيضاء، وإحياء لفكرة راودت الملك الحسن الثاني قبل ـكثر من ثلاثة عقود. فكرة تهدف إلى جعل المدينة رمزا لحضارة مغربية متجددة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الروح والعمران، وبين التاريخ والمستقبل.

مشروع كبير بطموح كبير، يبقى نجاحه مرهونا بتحقيق التوازن بين التنمية والعدالة الاجتماعية، حتى يكون فعلا إضافة نوعية للمدينة وساكنتها.

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock