خربوشة والقايد عيسى بن عمر: القصة الكاملة بين الحقيقة والأسطورة

تاريخ المغرب مليء بالقصص والحكايات التي تناقلتها الأجيال عبر السنين، من مختلف ربوع المملكة المغربية. بعضها حقيقي، وبعضها أسطوري، وبعضه الآخر اختلط فيه الواقع بالخيال، ليصنع موروثًا غنيا وملهما.
لكن هناك حكاية واحدة تتربع على عرش الحكايات الشعبية المغربية، خرجت من عمق منطقة عبدة، وهي حكاية خربوشة والقايد عيسى بن عمر.
هذه القصة رويت في الغالب برواية سردية واحدة، شكلت صورة القايد عيسى بن عمر في الوعي الشعبي، حيث صور للمغاربة على مدى عقود بـ”القايد السقاح“ الذي يقتل وينهب بلا رحمة ولا شفقة.
ومع ذلك، فإن هذه الصورة، رغم رسوخها في الذاكرة الشعبية، لا تخلو من مغالطات تاريخية كبيرة. ومن باب الإنصاف، نسعى لإعادة سرد الرواية الأقرب إلى الحقيقة، دون تبرئة مطلقة، ولا شيطنة مطلقة.
ولا يمنع ذلك من القول إن عيسى بن عمر كان قاسيا في إخماد ثورة أولاد زيد، القبيلة التي تنتمي إليها خربوشة. في هذا المقال، نقدم قراءة تاريخية متوازنة، مع جولة في قصره، الذي كان منبع القرارات المصيرية في تلك الحقبة، ولم يبق منه اليوم سوى أطلال صامتة تحمل صدى تلك الأحداث.
وإن رغبت عزيزي القارئ، في متابعة هذه الحكاية بالصوت والصورة، فقد زارت قناة “حكاوي مغربية” قصر القايد عيسى بن عمر، حيث نروي حكايته مع خربوشة، ونسلط الضوء على علاقته بالسلطان الحسن الأول ومولاي عبد الحفيظ، في جولة بين أروقة القصر التي لا تزال جدرانه تحفظ ذكريات تلك الحقبة. الفيديو مقدم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: لغز ضريحي سيدي بوزيد بين آسفي والجديدة: هل يتعلق الأمر بشخص واحد أم شخصين مختلفين؟
فهرس المحتويات
من هي خربوشة؟ البطلة الشعبية التي تحولت إلى أسطورة
وكما جرت العادة، نبدأ بالنساء أولا. شخصيتنا الأولى هي خربوشة، كما يعرفها عامة المغاربة، غير أن اسمها الحقيقي هو حادة، ويقال أيضا حويدة.
تنتمي خربوشة إلى قبيلة أولاد زيد بنواحي مدينة آسفي، ولقبت بـ”خربوشة” بسبب آثار مرض الجدري التي تركت ثقوبا في وجهها. كما عرفت بأسماء أخرى، مثل زروالة، وهو لقب يطلق على النساء ذوات العيون الزرقاء، وكريدة بسبب شعرها المجعد.
كانت خربوشة شيخة، وفي بعض الروايات شاعرة، اشتهرت بزجلها اللاذع وأهازيجها التي كانت تنتقد بها القايد عيسى بن عمر، وتحرّض القبائل على التمرد.
القايد عيسى بن عمر: من هو الرجل وراء الجدل؟
الشخصية الثانية في هذه الحكاية هي القايد عيسى بن عمر، أحد أبرز القياد في تاريخ المغرب. ولد سنة 1842 في منطقة البحاثرة بنواحي مدينة آسفي، وتلقى تربية عسكرية صارمة منذ صغره، ما أكسبه خبرة وتأهيلا للقيادة منذ صغره.
تولى منصب القايد بعد وفاة شقيقه القايد محمد بن عمر، وتزوج من أرملة أخيه لالا مهاني، تكفلا بها وبأبناء أخيه، ليضمن استمرارية المسؤولية العائلية والمكانة الاجتماعية للعائلة.

علاقة القايد عيسى بن عمر بالسلطة المركزية
خلال تلك الفترة، كان سلطان المغرب هو السلطان الحسن الأول، الذي ربطته علاقة صداقة قوية بالقايد عيسى بن عمر.
وبلغت هذه العلاقة حد أن السلطان زوّج أرملة والده السلطان محمد الرابع، للا فاطنة، بالقايد عيسى بن عمر، وهو ما ساهم بشكل كبير في رفع مكانته، خاصة بعد أن لقنته تفاصيل حياة القصور والسلاطين.
لاحقا، شغل عيسى بن عمر منصب وزير الخارجية، التي كانت تعرف آنذاك بوزارة البحر، كما تولى وزارة الشكايات، المعادلة حاليا لوزارة العدل، وذلك في عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ.
السياق السياسي وبداية الأزمة مع قبيلة أولاد زيد
بعد وفاة السلطان الحسن الأول، دخل المغرب مرحلة من الاضطراب السياسي، إذ كان ولي العهد مولاي عبد العزيز لا يتجاوز 11 سنة، ما جعله قاصرا على إدارة شؤون الدولة.
تولى باحماد، الصدر الأعظم آنذاك، مهمة الوصاية على الملك الصغير، وأصبح بذلك الحاكم الفعلي للمغرب.
استغل باحماد الوضع وفرض ضرائب ثقيلة على القياد، الذين بدورهم فرضوا ضرائب إضافية على القبائل الخاضعة لهم.
وعندما فرض القايد عيسى بن عمر الضرائب على قبيلة أولاد زيد، رفضت القبيلة الأداء، نظرا لفقر المنطقة وطبيعة أراضيها الصخرية، إضافة إلى الجفاف وغزو الجراد الذي ضرب المنطقة آنذاك.
غير أن القايد عيسى بن عمر لم يقبل بهذه الأعذار، واعتبرها تحديا لسلطته، ما مهد الطريق لتوترات لاحقة بينه وبين القبيلة.

ثورة أولاد زيد وواقعة “عام الرفسة”
في ظل هذه الظروف، برز محمد بن ملوك الزرهوني، الذي قاد ثورة أولاد زيد المسلحة سنة 1895 ضد قوات القايد عيسى بن عمر.
اندلعت مواجهات عنيفة بين الطرفين، وتدخل على إثرها باشا مدينة آسفي، حمزة بنهيمة، لمحاولة فض النزاع وإحلال الصلح.
عقدت جلسة صلح أولى في جامع الشيخ محمد صالح بآسفي، ثم تقرر عقد جلسة ثانية داخل مخزن يملكه تاجر إسباني يدعى خورخي. لكن هذه الجلسة ستتحول إلى نقطة فاصلة في النزاع.
خلال الجلسة، وقع تلاسن بين أحد رجال أولاد زيد والقايد عيسى بن عمر، ليفاجئ هذا الأخير الجميع ويقطع رأس الرجل بسيفه. اندلع على الفور قتال عنيف داخل المخزن، انتهى بهزيمة رجال أولاد زيد وفرارهم.
خارج المخزن، كان عدد كبير من سكان آسفي ينتظرون نتائج الصلح. ومع فرار الثوار ومطاردتهم، عمت الفوضى في المدينة، ووقع تدافع رهيب قرب قصر البحر، حيث كانت أبواب المدينة القديمة مغلقة.
أسفرت الفاجعة عن مقتل حوالي 180 شخصا، أغلبهم من سكان آسفي، نتيجة الاختناق والدوس، في السنة التي عرفت لاحقا باسم “عام الرفسة”، والتي شكلت نهاية ثورة أولاد زيد.
خربوشة بين الواقع والأسطورة
الأحداث السابقة موثقة تاريخيا، أما ما سنرويه الآن فهو مزيج من الواقع والخيال، غذاه الموروث الشعبي.
بعد نهاية صراع أولاد زيد، بدأ القايد عيسى بن عمر في البحث عن خربوشة بسبب قصائدها التي كانت تهجوه بها. فرت خربوشة إلى أولاد سعيد بالشاوية، وطلبت الحماية من قايد المنطقة بوبكر بن بوزيد، الذي وافق في البداية.
غير أن القايد عيسى بن عمر راسل بوبكر مطالبا بتسليم خربوشة بدعوى تمردها على السلطة، وفي طريقها إلى دار المخزن، اختطفها رجال القايد وأعادوها إليه.
سجنت خربوشة في أحد سجونه، وتعرضت لتعذيب قاسٍ على يد أحد رجاله المدعو الشايب. ورغم استعطافها للقايد وابنته السعدية، جاء العفو متأخرا، إذ فارقت خربوشة الحياة متأثرة بالتعذيب، لتنهي بذلك رحلتها المأساوية في ذاكرة الحكايات الشعبية.

نهاية القايد عيسى بن عمر
بعد سنوات، دخل المغرب في صراع على العرش بين مولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ. وقف القايد عيسى بن عمر إلى جانب مولاي عبد الحفيظ، لكنه عارض بشدة توقيع معاهدة الحماية مع فرنسا سنة 1912.
اعتبرته فرنسا عدوا لها، فاستدرج إلى الدار البيضاء للقاء المقيم العام ليوطي، حيث اعتقل وسجن في سلا، قبل أن يوضع تحت الإقامة الجبرية من سنة 1914 حتى وفاته سنة 1924. دفن أولا بمقبرة الشهداء بسلا، ثم نقل رفاته لاحقا إلى موطن رأسه.
قراءة أخيرة: بين الحقيقة والتوظيف الاستعماري
للأمانة التاريخية، لم يكن القايد عيسى بن عمر بالسوء المطلق الذي صورته به الذاكرة الشعبية، بل إن قيادا آخرين كانوا أكثر قسوة منه.
غير أن ثورة أولاد زيد لطخت سمعته، وهناك احتمال كبير أن الاستعمار الفرنسي ضخم قصة خربوشة وأضاف إليها الكثير من “التوابل”، بهدف تشويه رجل قوي النفوذ ورفض وجودهم في المغرب.
تبقى هذه الحكاية جزءا من تاريخنا، رويت كما وصلت إلينا، والحكم فيها يعود للتاريخ ولعدل الله الذي لا تضيع عنده الحقوق ولا المظالم.



للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

