التراث الشعبي المغربي

لغز ضريحي سيدي بوزيد بين آسفي والجديدة: هل يتعلق الأمر بشخص واحد أم شخصين مختلفين؟

كيف يمكن لشخص واحد أن يكون له ضريحان في مدينتين مختلفتين؟ أم أننا أمام شخصين يحملان الاسم ذاته وتنسب إليهما المكانة نفسها من الصلاح والكرامات؟

سؤال ظل يثير حيرة سكان مدينتي آسفي والجديدة لسنوات طويلة، بعدما وجدوا أنفسهم أمام ضريحين يحملان الاسم نفسه، سيدي بوزيد، مع الاعتقاد بأن صاحبيهما كانا رجلين صالحين، لهما حضور روحي خاص في نفوس السكان المحليين.

ولا يعد موضوع الأضرحة والأولياء غريبا عن الموروث الثقافي والاجتماعي المغربي، إذ لعبت الزوايا والقباب دورا بارزا في تشكيل الحياة الروحية عبر القرون، وتوارثت قصص الأولياء جيلا بعد جيل، مما أسهم في بناء طبقة من الغموض والأساطير حول بعض الشخصيات.

في هذا المقال نحاول الكشف عن حقيقة سيدي بوزيد في كلتا المدينتين، واستعراض تاريخ الضريحين، هل يتعلق الأمر بشخص واحد انتقل من آسفي إلى الجديدة؟ أم بشخصين مختلفين يجمعهما الاسم والرمزية الروحية؟

كما سنناقش الفرضية المثيرة التي تربط اسم “سيدي بوزيد” بالإله الإغريقي بوسيدون، وما إذا كان هذا الربط له جذور تاريخية أم مجرد اجتهاد حديث.

ولمن يرغب في التعرف على القصة بالصوت والصورة، ندعوكم لمشاهدة الفيديو الكامل على قناتنا “حكاوي مغربية” من خلال الفيديو أدناه.

إقرأ أيضا: أوراق اللعب الكارطة المغربية | أسرار غامضة ومريبة

سيدي بوزيد الشريف: الشخصية الأقرب للواقع

الشخصية الأقرب التي يرجح ارتباط الضريحين بها هي سيدي بوزيد الشريف، الذي يقال إنه ولد بمدينة فاس حوالي سنة 1100 ميلادية، وينحدر من السلالة الإدريسية المتفرعة عن إدريس الأكبر.

وتكتسي هذه النسبة أهمية خاصة في المغرب، إذ ترتبط بمفهوم الشرعية الدينية والسياسية، باعتبار أن الشرفاء الإدريسيين حظوا تاريخيا بمكانة روحية واجتماعية مرموقة، جعلت من قبورهم وزواياهم رموزا للتبرك والهوية المحلية.

لكن الإشكال الأساسي يكمن في غياب مصادر تاريخية مكتوبة وموثوقة تؤكد وجود رابط مباشر بين سيدي بوزيد في آسفي ونظيره في الجديدة. فالمعطيات المتوفرة حول هذه الشخصية قليلة ونادرة، ومعظم ما يروى عنها يعتمد على الذاكرة الشعبية والروايات الشفوية، وهي روايات غالبا ما تختلط فيها الحقائق بالأساطير بفعل التناقل عبر الأجيال.

وتذهب بعض الفرضيات إلى أن أحد الضريحين قد يكون هو الأصل، بينما شيد الضريح الآخر لاحقا تكريما للاسم والكرامات المنسوبة إليه، دون أن يكون بالضرورة مكانا لدفنه. وهذه ظاهرة مألوفة في المغرب، حيث تنتشر الأضرحة الرمزية التي تشيد باعتبارها نقاطا للتبرك أو لحماية المكان روحيا، دون أن تحتوي على رفات صاحبها.

سيدي بوزيد
ضريح سيدي بوزيد الجديدة

فرضية تعدد الأشخاص

تطرح فرضية أخرى أن الأمر لا يتعلق بشخص واحد، بل بـ وليين صالحين مختلفين يحملان الاسم نفسه: سيدي بوزيد، وقد يكون أحدهما من نسل الآخر، كابن أو حفيد، وهو ما قد يفسر استمرار الاسم وشهرته عبر الزمن في أكثر من منطقة.

ويعرف التاريخ المغربي العديد من الحالات التي حفرت فيها أضرحة تحمل اسم ولي صالح دون وجود دليل موثوق على أن الجثمان مدفون داخلها، إذ يكون الضريح في كثير من الأحيان رمزا للمكانة الروحية أكثر من كونه شاهدا على قبر حقيقي.

وتدعم هذه الفرضية طبيعة العلاقة التي تربط السكان المحليين بهذه الأضرحة، إذ لكل مدينة روايتها الخاصة حول سيدي بوزيد، ويتعامل الأهالي مع الضريح كجزء من هويتهم الثقافية والروحية، وليس مجرد أثر تاريخي مرتبط بشخص بعينه.

علاقة الاسم بتونس

توجد أيضا منطقة شهيرة في تونس تحمل الإسم نفسه: سيدي بوزيد، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل توجد صلة تاريخية أو روحية بين هذه المنطقة والشخصية التي نتناولها في المغرب، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تشابها عرضيا في الأسماء؟

يرى بعض الباحثين إمكانية وجود روابط صوفية قديمة بين المغرب وتونس، خاصة أن حركة الأولياء والزوايا في شمال إفريقيا كانت تعرف تواصلا وتلاقحا للممارسات والطقوس الدينية. غير أن هذه القراءة تبقى في إطار الفرضيات، إذ لا تتوفر أدلة تاريخية صريحة تربط بين أضرحة سيدي بوزيد في المغرب وتلك المدينة التونسية، سواء من حيث الشخص أو النسب أو المسار الروحي.

الفرضية الأسطورية: هل سيدي بوزيد هو بوسيدون الإغريقي؟

من أكثر الفرضيات غرابة التي تم تداولها هي القول إن اسم “سيدي بوزيد” ما هو إلا تحوير لإسم “بوسيدون”، إله البحر عند الإغريق. وتستند هذه الفكرة إلى أن الإغريق استقروا لفترة في بعض السواحل المغربية وتركوا بصمات ثقافية ودينية في المنطقة. وبما أن ضريح سيدي بوزيد يوجد عادة في مواقع ساحلية، فقد ربط البعض بين الاسم وطبيعة المكان، معتبرين أن التسمية القديمة تحورت عبر الزمن نتيجة الامتزاج الثقافي والديني.

ومع ذلك، تبقى هذه الفرضية أقرب إلى الأسطورة الشعبية منها إلى حقيقة تاريخية، لغياب أي دليل علمي يثبتها. لكنها في الوقت نفسه تبرز جانبا مهما من الخيال الجماعي الذي يرافق حكايات الأولياء والقديسين في المغرب، حيث تمتزج الذاكرة الشعبية بالتاريخ، وتولد تفسيرات أسطورية جذابة رغم هشاشتها العلمية.

سيدي بوزيد
ضريح سيدي بوزيد آسفي

البعد الثقافي والديني للأضرحة

عرف المجتمع المغربي عبر تاريخه تقليدا قويا مرتبطا بالأولياء والبركة والزيارات والطقوس الشعبية. لكن مع ذلك، يعتبر بناء الأضرحة والتبرك بها من البدع غير المشروعة في الإسلام، وقد يقود إلى الشرك إذا أسرف الناس في تقديس الأشخاص أو طلب البركة منهم. فالإسلام يدعو إلى التوحيد الخالص، ويؤكد العلماء أن الصلاح لا يعني تقديس الأفراد، بل الاقتداء بأفعالهم الصالحة والتمسك بالقيم الأخلاقية والدينية التي يمثلونها.

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock