ترميم قصر البحر بآسفي: مشروع إنقاذ معلمة تاريخية عمرها 5 قرون

بعد انتظار طويل عاشته مختلف مكونات مدينة آسفي، انطلقت أخيرا أهم مرحلة من عمليات ترميم قصر البحر، المعلمة الأبرز في المدينة، التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من خمسة قرون. هذا المشروع التاريخي يهدف إلى إعادة القصر إلى سابق عهده، مع الحفاظ على قيمته المعمارية والتراثية، وإبراز دوره كرمز ثقافي وسياحي للمدينة.
في هذا المقال، سنستعرض جديد أشغال الترميم والتفاصيل المصاحبة لهذا الورش المهم، الذي يشكل إضافة كبيرة للهوية التاريخية لمدينة آسفي ولسكانها، ويتيح للزائر فرصة التعرف على التراث البحري والعسكري للمدينة.
ولمن يرغب في متابعة كل مراحل العمل والتفاصيل المصاحبة له بالصوت والصورة، ندعوكم لمشاهدة الفيديو الكامل على قناة “حكاوي مغربية” عبر الرابط أدناه، مع الإشارة إلى أن الفيديو مقدم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: كيف استعاد المغاربة قلعة مازغان؟ الحكاية الكاملة للحي البرتغالي بالجديدة
فهرس المحتويات
انطلاق ترميم الواجهة الشمالية للقصر
بدأت أشغال ترميم الواجهة الشمالية لقصر البحر المطلة على مدينة آسفي، حيث شملت تدعيم الجدران المهددة بالانهيار باستخدام مواد خاصة تحقن في الشقوق، إضافة إلى ترميم الأقواس والأبراج والنوافذ التاريخية. وتم تنفيذ هذه العمليات بعناية فائقة، مستخدمين نفس نوع الحجارة الأصلية التي بني بها القصر منذ أكثر من خمسة قرون، حرصا على الحفاظ على أصالته وهويته المعمارية.
تحدي حماية القصر من الأمواج البحرية
أحد أكبر التحديات في ترميم قصر البحر يكمن في حماية الواجهتين الغربية والجنوبية للقصر من قوة الأمواج والتيارات البحرية، ومن تآكل الصخور الذي يهدد أساساته. وللتصدي لهذه المخاطر، تم تصميم حاجز بحري صدام للأمواج يعمل كخط دفاع أول يحمي القصر ويقلل تأثير المياه على بنيانه التاريخي.

دراسات جيولوجية لتحديد نقاط الضعف
انطلقت أشغال الترميم بإجراء دراسات جيولوجية وهيدرولوجية دقيقة لتحديد نقاط ضعف الجرف الصخري المعروف باسم جرف أموني، وتحديد مناطق التآكل التي تهدد جدران القصر. وبناء على نتائج هذه الدراسات، تم اختيار الموقع الأمثل لإنشاء الحاجز البحري لحماية القصر من الأمواج والتآكل.
بناء حاجز بحري متعدد الطبقات
تم تثبيت الجرف الصخري عبر حقنه بمواد خاصة لمنع الانجراف والتشقق، تلتها وضع طبقات من الصخور الضخمة لتشكيل قاعدة أولية قوية للحماية. بعد ذلك، تم تركيب مكعبات إسمنتية ضخمة مصنعة محليا، ومصممة لتحمل المناخ البحري لمدينة آسفي.
وينفذ الحاجز على شكل مدرج بميلان هندسي يتيح تفكيك قوة الأمواج تدريجيا قبل وصولها إلى أسوار القصر، مع تغطيته لاحقا بطبقة عازلة لضمان حماية طويلة الأمد من التآكل.
أهداف الحاجز البحري ومراقبته
يهدف هذا الرصيف البحري إلى حماية المنطقة المحيطة بقصر البحر ومنع الأمواج القوية من الوصول مباشرة إلى أسواره، بما يضمن تقليل الضغط المستمر على أساساته. ويتم مراقبة أدائه بشكل يومي من طرف الفرق التقنية للوقوف على فعاليته في امتصاص الطاقة الحركية للأمواج وتخفيف قوتها قبل اصطدامها بالشاطئ الصخري المحيط بالقصر.

ترميم الجدران التاريخية وتعزيز الأساسات
بعد استكمال هذه العمليات، ستشرع الفرق التقنية في ترميم الجدران المهدومة والمهددة بالانهيار، عبر حقنها بمواد مقوية للشقوق، ثم إعادة بناء الأقواس والأبراج والنوافذ باستخدام الحجارة الأصلية للحفاظ على الهوية التاريخية للقصر.
كما ستخضع الأساسات لعملية تقوية شاملة عبر شبكات حديدية ومواد إسمنتية مقاومة لقوة الأمواج، إلى جانب تنظيف البنية الخارجية من الطحالب والأملاح، ومعالجة الجدران من الرطوبة والتآكل لضمان صمودها على المدى الطويل.
وبعد الانتهاء من الأشغال الكبرى، سيتم تزويد هذه المعلمة التاريخية بعناصر جمالية إضافية، استعدادا لافتتاحها أمام سكان آسفي وزوار المدينة في حلة تليق بقيمتها التاريخية.
الجهات المشرفة على المشروع والميزانية المرصودة
يشرف على مشروع ترميم قصر البحر عدد من المؤسسات الرسمية، في إطار عمل تشاركي يهدف إلى إنقاذ هذا المعلم التاريخي والحفاظ عليه، وتشمل:
- وزارة الثقافة والشباب والتواصل
- وزارة التجهيز والماء
- الجماعة الترابية لمدينة آسفي
- جهة مراكش – آسفي
وقد تم تخصيص ميزانية تفوق 388 مليون درهم لإنجاز هذا المشروع الطموح، الذي يعد من أبرز عمليات الترميم على الصعيد الوطني.
قصر البحر: ذاكرة استعمارية من الحقبة البرتغالية
يشكل قصر البحر في آسفي إحدى أهم المعالم الوطنية، لأنه يجسد مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، تتعلق بفترة الاحتلال البرتغالي لعدد من المدن الساحلية، ومن بينها مدينة آسفي.
فقد خضعت المدينة للاستعمار سنة 1508 ميلادية على يد القائد البرتغالي دييغو دي أزامبوجا، الذي انطلقت في عهده أولى أشغال تشييد قصر البحر، قبل أن تتواصل عملية البناء مع القادة البرتغاليين الذين تعاقبوا على حكم المدينة.
امتدت فترة بناء هذا الحصن البحري ما بين 1508 و1523، وقد شيد ليكون قلعة دفاعية متقدمة تحمي الميناء وتواجه الهجمات القادمة من البحر.
وظل القصر تحت السيطرة البرتغالية لأزيد من ثلاثة عقود، إلى أن انهزم البرتغاليون سنة 1541 أمام جيش السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، لتستعيد آسفي استقلالها وتدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والعمراني.

ختاما
يبقى قصر البحر في آسفي معلمة تاريخية شاهدة على صراع القوى وتداخل الحضارات، ووجهة بارزة لكل المهتمين بتاريخ المغرب ومعماره الحربي. ومع تقدم أشغال الترميم، يعلق سكان آسفي آمالا كبيرة على أن يستعيد هذا الصرح مكانته الرمزية، ويفتح أمام الزوار بحلة تليق بمكانته وتاريخه العريق.
للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا
