متاحف المغرب

جولة داخل متحف بنك المغرب: قصة الدرهم من النشأة إلى الارتباط بالدرهم الإماراتي

من قلب العاصمة الرباط، يبرز متحف بنك المغرب كأحد أهم الفضاءات الثقافية التي تحفظ ذاكرة العملة المغربية وتاريخها الممتد عبر قرون. منذ افتتاحه عام 2002، لم يكن هذا المتحف مجرد قاعات تعرض النقود القديمة، بل أصبح فضاء معرفيا يعيد سرد قصة الاقتصاد المغربي ومسار تطور الدرهم منذ ظهوره الأول حتى تحوله إلى رمز سيادي للمملكة.

زيارة المتحف تمثل أكثر من جولة سياحية، فهي رحلة عبر الزمن تعيدنا إلى مراحل مختلفة من تاريخ المغرب السياسي والاقتصادي، بدءا من عصور الأمازيغ والرومان، مرورا بالدول الإسلامية المتعاقبة، وصولا إلى فترة ما بعد الاستقلال. وخلال هذه الرحلة، يكتشف الزائر تطور أشكال النقود، وتأثير التحولات السياسية والتجارية على شكل الدرهم وقيمته.

في هذا المقال، سنأخذكم في جولة مفصلة داخل متحف بنك المغرب: أقسامه، مقتنياته، خدماته، أوقات الزيارة، سعر التذاكر، بالإضافة إلى الغوص في تاريخ الدرهم المغربي وعلاقته التاريخية بالدرهم الإماراتي.

معلومات زيارة متحف بنك المغرب: المواعيد، الأسعار، والخدمات المتاحة

يعد متحف بنك المغرب بالرباط واحدا من أهم الفضاءات الثقافية في البلاد، فهو بوابة فريدة لاكتشاف تاريخ النقود المغربية وتطور النظام المالي عبر العصور.

يستقبل المتحف زواره من الثلاثاء إلى الأحد، بينما يغلق أبوابه يوم الاثنين. وتبدأ أوقات الزيارة من الساعة 09:00 صباحا إلى 17:30 مساء من الثلاثاء إلى الجمعة، أما يوم السبت فيفتح من 09:00 إلى 12:00 ومن 15:00 إلى 18:00، ويستقبل الزوار يوم الأحد من 09:00 إلى 13:00. خلال شهر رمضان، تعتمد مواقيت خاصة من 09:00 صباحا إلى 15:00 عصرا.

أما أسعار الدخول، فهي في متناول الجميع، إذ تبلغ 20 درهما للفرد، و 10 دراهم للمجموعات التي تضم ثلاثة أشخاص أو أكثر. كما يستفيد الطلبة والمجموعات المدرسية من دخول مجاني عند تقديم بطاقة الطالب، بينما يتاح الدخول المجاني للجميع يوم الجمعة.

يضم المتحف أكثر من 30 ألف قطعة نقدية وأوراق بنكية ووثائق تاريخية نادرة تسرد مسار المال في المغرب منذ العصور القديمة. وإلى جانب الجانب التاريخي، يحتضن المتحف رواقا فنيا يضم لوحات وتحفا فنية تعكس الذاكرة الجمالية للمغرب عبر فترات مختلفة. كما يوفر لزواره مرشدين صوتيين بعدة لغات، العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، وحتى لغة الإشارة لضمان تجربة زيارة شاملة ومفهومة للجميع.

ولمن يرغب في التعرف بشكل أوضح بالصوت والصورة على متحف بنك المغرب بالرباط، ندعوكم لمشاهدة الفيديو المتوفر على قناتنا (حكاوي مغربية). نشير فقط إلى أن الفيديو مقدم باللهجة المغربية.

إقرأ أيضا: متحف ذاكرة الدار البيضاء | فيلا الألماني كارل فيك التي تحولت إلى متحف

من المقايضة إلى ظهور النقود

قبل مئات السنين، كان نظام المقايضة هو الأساس في التعاملات التجارية بين الأفراد والمؤسسات، حيث يتم تبادل السلع الزراعية والصناعية مباشرة. ومع تطور الاقتصاد، ظهرت النقود كوسيلة معيارية للتبادل، وكانت قيمتها ترتبط أساسا بوزنها ومعدنها، سواء كانت من الذهب أو الفضة أو النحاس.

كانت النقود في تلك الحقبة بمثابة مرآة تعكس قوة الدولة ورقي حضارتها، وأصبح من الضروري لكل دولة أن تمتلك عملتها الخاصة. وفي المغرب، تعتمد الدرهم المغربي كعملة الرسمية.

وبخلاف العملات المعدنية والورقية التقليدية، ظهرت خلال السنوات الأخيرة العملات الرقمية مثل البتكوين، الإيثيريوم، والريبل، التي تعكس التحولات الحديثة في عالم المال والتجارة.

تطور العملة في المغرب عبر العصور

عملة الرومان والملوك الأمازيغ

شهد المغرب خلال تاريخه تعاقب دول متعددة، ومع كل دولة كانت العملة تتغير.

  • في عهد الإمبراطورية الرومانية، كانت العملة السائدة هي أوريوس (Aureus)، وتعني ذهبي.
  • في فترة حكم الملك الأمازيغي جوبا الثاني، ملك مملكة موريتانيا الطنجية في القرن الأول قبل الميلاد، فكانت العملة المستعملة هي ديناري (Denier) المصنوعة أساسا من الفضة.

بعد دخول الإسلام إلى المغرب

مع دخول الإسلام إلى المغرب في القرن السابع الميلادي، وتحت حكم الدولة الأموية، بدأ استخدام العملات الإسلامية نفسها المتداولة في باقي أراضي الخلافة. وكانت المعاملات الكبرى تجرى بالدينار الذهبي، بينما كان الدرهم الفضي يستخدم للتعاملات البسيطة، وقد حملت هذه العملات نقوشا دينية ونصوصا بالعربية.

أول درهم مغربي في عهد الأدارسة

ظهرت أول عملة مغربية محلية حقيقية في سنة 788م مع وصول دولة الأدارسة إلى الحكم. وقد تم اختيار اسم “الدرهم” لهذه العملة، وهو مشتق من اللفظ الإغريقي “دراخما”. وتميز الدرهم بنقوش دينية ورسوم تجسد صورة الملوك الأدارسة، ليكون رمزا للسيادة الدولة واستقلال البلاد الاقتصادي والسياسي في تلك الفترة.

المرابطون يلغون الدرهم ويعتمدون الدينار الذهبي

عندما وصل المرابطون إلى الحكم، ألغوا الدرهم واستبدلوه بـالدينار الذهبي، نظرا لوفرة الذهب القادم عبر تجارة القوافل من إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يقتصر تداول الدينار على المغرب فقط، بل وصل أيضا إلى أوروبا عبر الأندلس، ليصبح وسيلة نقدية هامة وعابرة للحدود.

عودة الدرهم في عهد الموحدين

عاد الدرهم إلى التداول مع وصول الدولة الموحدية سنة 1121م، دون إلغاء الدينار الذهبي، حيث تم سك درهم فضي يحمل اسم المهدي بن تومرت ونقوشا دينية. ومع تراجع إمدادات الذهب، ضعفت قيمة الدينار تدريجيا لصالح الدرهم، ليصبح العملة الأكثر استخداما في المعاملات اليومية.

من الحماية الفرنسية إلى عودة الدرهم

استمر الدرهم كعملة أساسية في المغرب حتى توقيع معاهدة الحماية الفرنسية سنة 1912، حيث فرض استعمال العملة الفرنسية “الفرنك” بصيغة مغربية. وبعد استقلال البلاد، أعاد المغرب عملته الرسمية بظهير صادر في 17 أكتوبر 1959، ليعود الدرهم المغربي إلى التداول الرسمي.

العلاقة التاريخية بين الدرهم المغربي والدرهم الإماراتي

1. الخبرة المغربية في مجال سكّ العملة

عند تأسيس البنك المركزي الإماراتي سنة 1973، كانت دولة الإمارات في حاجة إلى نموذج ناجح تبني عليه عملتها الوطنية. وفي تلك الفترة، كان المغرب من الدول العربية الرائدة في تنظيم القطاع المالي، خاصة بعد تجربة طويلة في سك العملة وإدارة السياسة النقدية منذ استقلاله سنة 1956.

لذلك استعانت الإمارات بخبراء مغاربة في المجال المالي والبنكي للاستفادة من التجربة المغربية ووضع إطار عملي لعملة الدولة الجديدة.

2. اختيار اسم “الدرهم”

اختارت الإمارات اسم “الدرهم” لعملتها الوطنية لأسباب متعددة، أبرزها كونه كان مستخدمًا سابقا في المغرب وله جذور تاريخية عريقة في الحضارة الإسلامية. كما أن كلمة “درهم” ذات أصل عربي–إغريقي (دراخما)، وتحمل رمزية قوية في التاريخ الاقتصادي الإسلامي. وقد أرادت الإمارات من خلال هذا الاختيار أن تعكس هويتها العربية والإسلامية، وتبتعد عن أسماء العملات الأجنبية التي كانت متداولة قبل الوحدة.

تشير بعض المصادر غير الرسمية أيضا إلى أن اختيار الاسم كان تقديرا للتجربة المغربية في هذا المجال.

الدرهم

3. التعاون المالي المغربي ـ الإماراتي في السبعينيات

خلال بداية السبعينيات، شهد المغرب والإمارات تعاونا اقتصاديا واسعا شمل تبادل الخبرات المالية، ودعم المغرب للإمارات في مجالات التنظيم المالي، وتنظيم زيارات تقنية بين مسؤولي البنكين المركزيين. وقد أسهم هذا التعاون في تعزيز فكرة تبني اسم “الدرهم” كعملة وطنية للإمارات.

4. استمرار العلاقة الرمزية

رغم اختلاف مسار العملتين لاحقا، بقيت العلاقة بينهما رمزية أكثر منها اقتصادية مباشرة. ومن الناحية الثقافية، أصبح الدرهم رمزا مشتركا بين البلدين، يعكس انتماءهما لجذور واحدة في الحضارة الإسلامية.

ختاما

بهذه الجولة داخل متحف بنك المغرب، تعرفنا على رحلة طويلة ومثيرة خاضها الدرهم المغربي عبر التاريخ، من العصور الرومانية إلى الدول الإسلامية، ومن فترة الحماية الفرنسية إلى الاستقلال. كما اطلعنا على جانب مهم من التعاون الاقتصادي بين المغرب والإمارات، الذي أسفر عن اعتماد اسم الدرهم كعملة رسمية هناك أيضا.

يظل متحف بنك المغرب فضاء مميزا لفهم هذه المسيرة النقدية الغنية، التي تشكل جزءا أساسيا من الهوية الاقتصادية والحضارية للمغرب.

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock