شركة ساتيام: من رمز استعماري إلى أسطورة النقل بالمغرب
تعد شركة ساتيام واحدة من أقدم شركات النقل الطرقي في المغرب، وما زالت تحتفظ بمكانتها كرمز للأمان والفخامة والموثوقية في النقل بين المدن، إذ يثق بها المسافرون المغاربة منذ عقود.
ساتيام ليست مجرد حافلات ومحطات وخدمات، بل هي أكثر من ذلك، فهي صفحة من صفحات تاريخ المغرب، وحكاية من الحكاوي المغربية الكثيرة التي تستحق أن تروى.
في هذا المقال، سنستكشف سويا أسرار شركة ساتيام: كيف نشأت، ومن أسسها، وكيف تحولت من رمز استعماري إلى عملاق النقل الطرقي بالمغرب. وسنتناول أيضا علاقة الشركة بشخصية ما زالت تثير الجدل حتى اليوم، التهامي الكلاوي، باشا مراكش، المرتبط اسمه بالخيانة والفساد.
ولمن أراد متابعة التفاصيل بالصوت والصورة، يمكنكم مشاهدة الفيديو الكامل على قناة “حكاوي مغربية”، مقدم باللهجة المغربية.
فهرس المحتويات
إقرأ أيضا: المدينة القديمة بالدار البيضاء ونادي الوداد: حكاية تاريخية وهوية أسطورية
تأسيس ساتيام: من الفكرة إلى الواقع
في عام 1912، قام سلطان المغرب آنذاك مولاي عبد الحفيظ، بزيارة رسمية إلى فرنسا، حيث تولى رجل الأعمال الفرنسي جون إبينا مهمة تنظيم تنقل السلطان وحاشيته بين الأماكن المختلفة باستخدام شركته للنقل.
لاحقا، اقترح المارشال الفرنسي ليوطي، أول مقيم عام فرنسي في المغرب، على جون إبينا تأسيس شركة نقل تربط بين المدن والقرى المغربية. استغرقت الفكرة ست سنوات من التخطيط والتحضير قبل أن ترى النور، وتم ذلك رسميا في 8 نوفمبر 1919، بعد استفادة شركة إبينا من ظهير سلطاني لإنشاء شبكة النقل بالمغرب ـ Compagnie de Transports au Maroc، والمعروفة اليوم اختصارا بـ ساتيام ـ CTM.
وفي بداياتها، اعتمدت ساتيام على مركبات عسكرية فرنسية قديمة كانت قد استخدمت في الحرب العالمية الأولى لنقل المسافرين بين المدن المغربية، لتصبح بذلك حجر الأساس لشبكة النقل الحديثة في المغرب.

دور التهامي الكلاوي في نجاح الشركة
كان من أبرز التحديات التي واجهت شركة ساتيام ضمان مرور حافلاتها بأمان عبر مناطق لم تكن تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، بالإضافة إلى كسب قبول شعبي للشركة الحديثة. وهنا برز دور باشا مراكس التهامي الكلاوي، الذي انضم كمساهم رئيسي وشريك للفرنسيين في ساتيام.
استثمر الكلاوي نفوذه القبلي والسياسي لضمان مرور خطوط النقل عبر جنوب ووسط المغرب، خصوصا بين مراكش وورزازات، ومراكش وتارودانت، مرورا بالمسالك الجبلية الوعرة في جبال الأطلس. كما وفر حماية قبلية وأمنية للحافلات، مانحا إياها التغطية اللازمة في المناطق الخطرة وغير الخاضعة مباشرة للإدارة الفرنسية.
وبفضل الأرباح الكبيرة التي جناها من ساتيام، تحول الكلاوي من زعيم قبلي محلي إلى فاعل اقتصادي مهم، ربط اسمه بمشروع النقل الاستعماري في المغرب.
التهامي الكلاوي: من الزعامة القبلية إلى الخيانة
ولد التهامي الكلاوي سنة 1878، وعرف بكونه باشا مدينة مراكش وزعيم قبيلة كلاوة. تميز بدعمه للاستعمار الفرنسي، حيث وقف إلى جانب سلطات الحماية، وساهم في قمع المقاومين المغاربة. كما لعب دورا في نفي السلطان محمد الخامس، وساهم في جلوس السلطان المزيف بن عرفة على العرش.
وبعد حصول المغرب على استقلاله، تم الحكم عليه بعدم الأهلية، وصودرت ممتلكاته. وتوفي الكلاوي في سنة 1956، و هي سنة استقلال المغرب، ليبقى اسمه مرتبطا في الذاكرة المغربية كأحد أبرز رموز الخيانة في تاريخ المغرب الحديث.
توسع ساتيام واندماجاتها
في عام 1922، تم تجديد عقد شركة ساتيام مع السلطان مولاي يوسف، لتعزز بذلك مكانتها في قطاع النقل بالمغرب. وبين 1925 و1926، قامت ساتيام بعملية استحواذ واسعة على شركات منافسة، منها شركة زاكرا (Zakra)، شركة برنار (Bernard)، وأيضا شركة لوفراني (Loufrani)، بالإضافة إلى شركة النقل الفاخرة بولمان (Pullmann)، لتدخل بذلك عالم النقل الفاخر عبر حافلات بولمان السريعة والمريحة، والتي تشبه إلى حد كبير خدمات CTM Premium اليوم.

في عام 1934، أسس جون إبينا (مجموعة الشركة الشاملة ـ لشمال إفريقيا ONA (Omnium Nord-Africain، لتصبح شركة صناعية وتجارية ضخمة تضم النقل والتعدين والفلاحة، واستحوذت المجموعة على ساتيام. وبعد ذلك، في سنة 1946، بيعت ساتيام لشركة السكك الحديدية المغربية (CFM قبل الاستقلال).
لاحقا، في عام 1951، اشترت الدولة المغربية جزءا من أسهم ساتيام، لتصبح شريكا في ملكيتها. وبعد الاستقلال، واجهت الشركة أزمات مالية نتيجة تقادم الأسطول وضعف الخدمات، ما دفع الدولة لتعزيز استثماراتها تدريجيا، حتى وصلت حصتها إلى 66% سنة 1981، لتظل ساتيام واحدة من أعمدة النقل الطرقي في المغرب.
الإصلاح والانفتاح على الخوصصة
دخلت شركة ساتيام في عهد جديد من الإصلاح الجذري والتحديث، مع دخول عائلة الجماني كمساهمين رئيسيين منذ بداية التسعينات.
في عام 2024، استحوذ عثمان بنجلون، مالك بنك إفريقيا على 79.82% من أسهم شركة ساتيام، بما فيها 28.84% بشكل مباشر، و50.99% بشكل غير مباشر عبر بعض شركاته الخاصة.
اليوم، تعد شركة ساتيام شركة مساهمة عامة مدرجة في بورصة الدار البيضاء تحت رمز CTM، لكن السيطرة الفعلية على الشركة تمثلها شركات عثمان بنجلون، ما يمنحه الدور المحوري في توجيه استراتيجيات وتوسعات ساتيام المستقبلية.
ختاما
تظل شركة ساتيام أكثر من مجرد حافلات وخطوط نقل، فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ المغرب المعاصر، وحكاية من الحكاوي المغربية التي تستحق أن تروى. من بداياتها العريقة إلى دورها الراهن في ربط المدن، يظل إسم ساتيام علامة مميزة في النقل الطرقي، شاهدة على تحولات المجتمع والاقتصاد المغربي.
للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

