أوراق اللعب الكارطة المغربية: أسرار غامضة ومريبة

اليوم أعزائي القراء، سنكتشف سويا حكاية الكارطة المغربية، هذه الأوراق المحاطة بأسرار غامضة ومريبة. لماذا يعتمد عليها المشعوذون والدجالون؟ ولماذا تغيب عنها الأرقام 8 و9؟ وما سر لعبة “الروندا” التي تثير الكثير من الشكوك؟ لنكتشف معا الحكاية الحقيقية لـ “لاباراخا إسبانيولا”، الاسم الأصلي للكارطة، ونتتبع خيوطها من أصولها الإسبانية إلى حضورها القوي في الثقافة الشعبية المغربية.
ولمن أراد التعرف على عالم الكارطة المغربية بالصوت والصورة، يمكنه مشاهدة الفيديو على قناتنا “حكاوي مغربية”، مع الإشارة إلى أن المحتوى مقدم باللهجة المغربية.
إقرأ أيضا: خربوشة والقايد عيسى بن عمر: القصة الكاملة بين الحقيقة والأسطورة
فهرس المحتويات
أصل الكارطة: بين الإسبانية والإيطالية
التسمية والإرث الأوروبي
مصدر الكارطة المعروفة عند المغاربة يعود إلى إسبانيا، وكلمة “كارطة” نفسها مأخوذة من الإسبانية وتعني “بطاقة”. أما الإسم الأصلي لهذه اللعبة فهو “باراخا إسبانيولا”، وله تفسيران: إما “مجموعة أوراق اللعب الإسبانية” أو “المناورة الإسبانية”.
وكما توجد “باراخا إسبانيولا” في الثقافة الإسبانية، نجد لدى الفرنسيين “تاروت مارسيليا”، ولدى الإيطاليين مجموعة أوراق تحمل إسم “ديناري”، مما يعكس التنوع الثقافي الكبير في رموز وأصول أوراق اللعب الأوروبية.
الجذور الإيطالية
رغم أن إسم اللعبة “لاباراخا إسبانيولا” يوحي بأن أصولها من إسبانيا، إلا أن جذورها الحقيقية تعود إلى إيطاليا. فقد قام الثري الإيطالي فيليكس سوليسيو بنقلها من مدينة سافونا إلى مدينة مالقا الإسبانية، حيث استقر هناك في أواخر القرن الثامن عشر. كما أنشأ سوليسيو في المدينة مصنعا لصناعة الورق، وكان من بين إنتاجاته تصميم أوراق لعبة “لاباراخا”، التي أصبحت لاحقا جزءا من الثقافة الإسبانية.
وصول الكارطة إلى المغرب
من الاستيراد إلى الطباعة المحلية
من المرجح أن دخول الكارطة إلى المغرب تم في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت تستورد في البداية من إسبانيا. ومع فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، بدأت الكارطة تجلب من مدينة مارسيليا الفرنسية، حيث كانت تصنعها شركة كاموان.
لاحقا، حصلت شركة كاموان على تصريح رسمي لطباعة الكارطة في مدينة الدار البيضاء. وتجدر الإشارة إلى أن طباعة أوراق الكارطة تتطلب ترخيصا رسميا من الجهات المختصة، وهو أمر ليس سهلا الحصول عليه.

هيكلة أوراق الكارطة ورموزها
من 48 إلى 40 ورقة
كانت الكارطة في بداياتها تلعب بـ48 ورقة، ثم تم اختزالها لاحقا إلى 40 ورقة. وقد قسمت إلى أربع سلاسل، كل سلسلة تتكون من 10 أوراق مرقمة من 1 إلى 7، بالإضافة إلى ثلاث أوراق تمثل الشخصيات:
- الرقم 10 يعرف بـ”الصوطا” ويعني الخادم.
- الرقم 11 هو “الكَبال” ويقصد به الفارس.
- الرقم 12 هو “الري” ويعني الملك.
وكل سلسلة تحكمها أربعة رموز:
- Oros (الذهب)
- Copas (الكؤوس)
- Espadas (السيوف)
- Bastos (العصي)
رمزية الرموز في عالم السحر والتنجيم
الملفت في تفاصيل لعبة الكارطة أن الرموز الأربعة التي تتكون منها أوراقها لا تقتصر على الجانب الترفيهي فقط، بل تحمل دلالات رمزية مرتبطة بعالم السحر والتنجيم. فالكأس يرمز إلى عنصر الماء، والسيف إلى عنصر الهواء، والعصا إلى النار، بينما يرمز الذهب إلى عنصر الأرض.
وقد كان ينظر إلى هذه العناصر في بعض المعتقدات باعتبارها أدوات يستخدمها السحرة لاستدعاء قوى خفية وتحريك طاقات غير مرئية. كما ذهب بعض الفلكيين في العصور الماضية إلى ربط هذه العناصر بحركات النجوم والكواكب، مما جعل أوراق الكارطة أداة معتمدة في بعض الطقوس السحرية والشعوذة.
سر غياب الرقمين 8 و9
أما سبب حذف الرقمين 8 و9 من أوراق الكارطة، فهو غير واضح تماما، إلا أن إحدى الفرضيات تشير إلى أن هذا الحذف جاء تكريما للرقم 7، الذي يعتبر ذا قدسية خاصة في النصوص الدينية، مثل ذكر سبع سماوات وسبع بقرات سمان وسبع المثاني. كما أن بعض المعتقدات الشعبية تحتفي بالرقم 7، مثل سبعة رجال وسبعة أمواج. ومن المرجح أيضا أن يكون هذا الحذف مستندا إلى النسخة الأصلية لأوراق اللعب في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
لعبة الروندا: أشهر ألعاب الكارطة المغربية
دلالة و معنى الإسم
تعد لعبة “الروندا” أشهر الألعاب التي تلعب باستخدام الكارطة، ويقال إن كلمة “روندا” تعني بالإسبانية “دائرة”، في إشارة إلى طريقة جلوس اللاعبين حول طاولة اللعب بشكل دائري. أما كلمة “ميسا” (Mesa) فهي تعني “طاولة” بالإسبانية، وتحظى كلمة ميسا بأهمية خاصة في ثقافة لعبة الروندا، إذ تستخدم للإشارة إلى تتويج بجولة من جولات اللعبة، التي تعرف في سياق اللعبة باسم “الطرح”.
الروندا: بين اللعبة والمدينة
المثير في الأمر أن إسم لعبة “روندا” يرجح أنه مستوحى من إسم مدينة “روندا” الإسبانية، القريبة من مالقة، والتي يقال إنها كانت مهد لعبة “الباراخا إسبانيولا”. وكانت مدينة روندا مزدهرة خلال فترة الحكم الإسلامي في الأندلس، قبل أن تسقط في يد القشتاليين عام 1485. ومن المحتمل أن الإسبان ابتكروا لعبة “روندا” لاحقا كنوع من التوثيق أو التذكير بهزيمة المسلمين وطردهم من الأندلس.

ختاما
عموما، تظل الكارطة المغربية أكثر من مجرد أوراق للعب، فهي حكاية من حكاوي المغرب العديدة الممتدة عبر الزمن، تربط بين التاريخ والأسرار والثقافة الشعبية. ومن أصولها الأوروبية إلى انتشارها في المغرب، ما زالت هذه الأوراق تثير الفضول وتشد انتباه الجميع، صغارا وكبارا.
للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

