معالم تاريخية مغربية

كيف استعاد المغاربة قلعة مازغان؟ الحكاية الكاملة للحي البرتغالي بالجديدة

الحي البرتغالي في مدينة الجديدة ليس مجرد فضاء عمراني قديم، بل هو شهادة حية على قرون من التاريخ، تختزنها أسواره وأزقته ومبانيه الحجرية العتيقة. هذا المكان الذي كان يوما ما قاعدة برتغالية منيعة، تحول لاحقا إلى أحد أبرز المعالم التاريخية في المغرب.

أما الجديدة، المدينة الساحلية المحبوبة لدى المغاربة، فتجمع بين جمال البحر وطيبة الساكنة وسحر التاريخ. حضور الحي البرتغالي في قلبها يمنحها هوية فريدة، تجعلها محطة جذب لعشاق التراث والمعمار.

في هذا المقال، سنأخذكم في رحلة عبر الزمن، لنكتشف أسرار هذا الحي العريق، وكيف تحول من حصن استعماري إلى وجهة سياحية وثقافية بارزة. فما الذي يجعل مازغان محط إعجاب الزوار؟ ولماذا ما زال يحتفظ بجاذبيته رغم مرور القرون؟ ستكتشفون ذلك معنا.

ولمن يرغب في التعرف أكثر، بالصوت والصورة، على تاريخ مازغان أو الحي البرتغالي وكيف استطاع المغاربة طرد البرتغاليين منه، ندعوكم لمشاهدة الفيديو المتوفر على قناتنا حكاوي مغربية. نشير فقط إلى أن الفيديو مقدم باللهجة المغربية.

إقرأ أيضا: ترميم قصر البحر بآسفي: مشروع إنقاذ معلمة تاريخية عمرها 5 قرون

الحي البرتغالي: من منشأة استعمارية إلى معلمة تاريخية

مراحل تشييد القلعة البرتغالية

شيد الحي البرتغالي أو القلعة البرتغالية، التي كانت تُعرف باسم مازغان، على مرحلتين:

  • المرحلة الأولى كانت سنة 1514، وقد شيدها المهندسين البرتغاليين الشقيقين فرانسيسكو ودييغو دي أرودا.
  • المرحلة الثانية تمت ما بين 1541 و1548،حيث قام المهندس الإيطالي بنديكت دي رافيينا بتوسيع القلعة لتستوعب البرتغاليين الذين تم طردهم من مدن أكادير وأزمور وآسفي من طرف السعديين. وقد عمل رافيينا على تحصين الموقع عبر إنشاء الخنادق والأسوار السميكة لحمايته من هجمات السعديين المتكررة.

استرجاع المدينة من طرف المغاربة

بعد ما يقارب 267 سنة من الوجود البرتغالي، شهد عام 1769 تحولا حاسما، حين قام السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله بمحاصرة القلعة بجيش قوامه حوالي 120 ألف مقاتل، مطبقا عليها من جميع الجهات البرية.

وفي نهاية المطاف، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بمغادرة البرتغاليين للمدينة دون قتال، وهو ما التزم به السلطان، حيث تم خروج القوات البرتغالية عبر البوابة البحرية المعروفة باسم “بورتا دي مار – Porta de Mar”.

غير أن البرتغاليين تركوا خلفهم فخا قاتلا، إذ قاموا بتفخيخ عدة مبان داخل القلعة بالبارود، فانفجرت فور دخول الجنود المغاربة، متسببة في انهيار أجزاء واسعة من العمران. ومن هنا اشتهرت القلعة في تلك الحقبة باسم “المهدومة”.

من “البريجة” إلى ” الجديدة”

بعد تولي السلطان مولاي عبد الرحمن الحكم، صدر سنة 1832 أمر بترميم القلعة ومعالمها المعمارية، وأطلق عليها اسم “البريجة”، قبل أن يعاد تسميتها لاحقا بـ”الجديدة”.

ومع فرض الحماية الفرنسية على المغرب، عاد استعمال الاسم البرتغالي “مازغان” لفترة من الزمن، وكان الماريشال هوبير ليوطي، أول مقيم عام فرنسي في المغرب، يصف المدينة بـ”دوفيل المغرب”، لما يجمعها مع مدينة دوفيل الفرنسية من تشابه في الطابع والمناخ الساحلي. وبعد الاستقلال مباشرة، تم اعتماد اسم “الجديدة” رسميا من جديد.

الحي البرتغالي

معالم الحي البرتغالي اليوم

تصنيفه ضمن التراث العالمي

في سنة 2004، تم إدراج الحي البرتغالي في لائحة التراث العالمي لليونسكو، ليصبح منذ ذلك الحين إحدى أبرز الوجهات السياحية في مدينة الجديدة، ومعلما تاريخيا يقصده الزوار من داخل المغرب وخارجه.

أبرز معالم الحي البرتغالي

من بين أهم المعالم التي تزخر بها الحي البرتغالي:

  • المسقاة البرتغالية، واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي كانت تستخدم لتخزين المياه.
  • كنيسة سان سيباستيان، التي تحتفظ بطابعها المعماري البرتغالي المميز.
  • كنيسة سان أنطونيو، التي تحولت اليوم إلى قاعة للأنشطة الثقافية والعروض الفنية.
  • المسجد العتيق، واحد من أقدم المعالم الدينية في الحي.
  • المعبد اليهودي، الذي كان اليهود يؤدون فيه صلواتهم، ويتميز بزخارفه التي تجمع بين نجمة داوود والهلال، في دلالة على التعايش التاريخي الجميل بين المسلمين واليهود.

حي ينبض بالحياة

يحتضن الحي البرتغالي اليوم مجموعة من المحلات التي تعرض منتجات تقليدية تعكس مهارة الصناع المغاربة، بدءا من الزرابي اليدوية ذات الألوان المتناسقة والنقوش العريقة، مرورا بالتحف الخشبية والنحاسية المنحوتة بدقة، وصولا إلى المشغولات الفضية والحلي التقليدية وقطع فنية صغيرة تجسد تراث المنطقة وروحها. هذه المحلات لا تقتصر على البيع فقط، بل تمنح الزائر فرصة للاطلاع مباشرة على الحرف المغربية القديمة، ومشاهدة بعض الصناع وهم يحولون المواد الخام إلى أعمال فنية نابضة بالحياة.

ويضم الحي أيضا مجموعة متنوعة من المقاهي والمطاعم التي تقدم أطباقا محلية وعالمية، إلى جانب فنادق توفر إقامة مريحة للزوار طوال العام. هذه الفضاءات تمنح الزائر تجربة متكاملة تجمع بين الاسترخاء، الترفيه، والاستكشاف الثقافي، مما يجعل الحي البرتغالي وجهة مثالية للعائلات والسياح وعشاق التراث على حد سواء.

الحي البرتغالي

ختاما

زيارة الحي البرتغالي بمدينة الجديدة ليست مجرد رحلة سياحية، بل هي رحلة عبر ذاكرة مدينة جمعت بين التأثير الأوروبي والروح المغربية، وشهدت فصولا من المقاومة والتعايش والتاريخ العريق.

ندعو كل من وطأت قدماه أرض الجديدة إلى عدم تفويت فرصة استكشاف هذا الحي العتيق، المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، حيث لا تزال جدرانه وأزقته تهمس بحكاوي الماضي.

للمزيد من الحكايات والمواضيع المغربية، يمكنك متابعة قناة “حكاوي مغربية” على يوتيوب من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock